بيان الـ(55) لم يأمر ولم يسوءه!
الأربعاء، ٧ أكتوبر ٢٠١٥عند قراءة البيان الأخير سنجد أننا أمام نسخة معدلة تعديلا طفيفا من البيانات السابقة، مع الاحتفاظ بنفس اللغة المواربة التي تترك باب الاحتمالات مواربا، فالبيان تستطيع أن تفهم منه كل شيء، وكل ما تفهمه يستطيع موقعو البيان أن لا يعترفوا به (نحن مسؤولون عما نقول، وليس عما تفهم)، ولهذا أتت لغة البيان موجهة للإخوة السوريين، وهذا ينفي ويبرئ من يقول إن البيان يدعو للجهاد أو النفير، فالبيان يفترض أن السوريين حائرون في أمرهم وينتظرون الرأي والمشورة من علماء الأمة (السعوديين) ولهذا بادروا بتوجيه النصح لهم، ولهذا يفترض أن البيان سيحدث صدى في المجتمع السوري، لكن ما حدث هو العكس، فالبيان تداوله السعوديون فيما بينهم، بل إن أغلب (العلماء) الذين وقعوا على البيان اختاروا نشره في مدوناتهم ومواقعهم الالكترونية وفي مواقع التواصل الاجتماعي، أي في الأماكن التي يوجد فيها جمهورهم السعودي، ولهذا أتساءل دوما عن الهدف الذي ينشده (العلماء) في خطبهم وندواتهم ومحاضراتهم عندما تكون موجهة للمتلقي السعودي، وتستعرض هذه الخطب ما يتعرض له المسلم في بلد آخر من تضييق وقهر وقتل واغتصاب، هذه الخطب والبيانات التي تجيش السعودي المسلم ماذا تريد أن توصل إليه؟ عندما يبكي العالم بحرقة على تخاذل المسلمين عن نصرة أخوانهم، ويضرب مثالا بأسامة بن زيد الذي قاد الجيوش وهو ابن الثمانية عشر ربيعا، ويقارن بينه وبين شبابنا اليوم .
.
ما هي الرسالة التي يريد أن يوصلها للشاب الذي يستمع إليه؟
وهذه نفس لغة البيان (تكالبت عليكم أمم الكفر وعز الناصر، وقل المعين وتخاذل الأقربون)، وفي موضع آخر من البيان، (تحزبت عليكم أمم الكفر من الشرق والغرب، وتحالف الطغاة، والغلاة، والمرجئة، والمرجفون، والمنافقون .
.
)، صحيح أن الضمير هنا موجه للسوريين، لكن أنا كمسلم كيف أتلقى الخطاب بصفتي متخاذلا ولم أنصر المسلم، وأنا الذي درست وحفظت حديث جابر بن عبدالله الذي رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم "ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته.
وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب نصرته" (أحمد وأبو داود).
البيان وصف (الأقربين) بالتخاذل عن نصرة سوريا، والأقربون تعني المسلمين بالتأكيد، وأنا واحد منهم، فكيف ألا أكون متخاذلا؟ سيما أن الخذلان هنا مرتبط بدين الله، فالبيان أصدره علماء دين وليس علماء اجتماع أو ساسة، هل أرضى أن أكون متخاذلا عن نصرة دين الله؟
هذه الأسئلة ستوصلني بالتأكيد للسؤال الأهم: كيف أتخلص من خذلاني لدين الله؟ أنا (كفرد) مسلم كيف أنصر الدين؟ العلماء نصروا الدين (بالبيانات)، وأنا لن يكون (بياني) مؤثرا فماذا أفعل سيما أن العلماء وصفوا ما يجري في سوريا بأنه جهاد؟
صحيح أنهم لم يدعوني للجهاد، لكنني بنفس الوقت لا أرضى أن أكون خاذلا لديني، وصدى صوت العلماء يرن (لم نقل لك اذهب للجهاد.
.
فقط قلنا إنك متخاذل عن نصرة الدين)!
داعش.
.
أعرف عنها ولا أعرفها!
لعل أفضل تصوير لداعش هو رسم كاريكاتوري يمثل داعشيين بحالة استرخاء وأحدهما يقول للآخر: لقد نحرنا جميع الكفار وآن الأوان أن نجلس لننتظر يوم القيامة!
داعش لم تعد متخصصة بقتل البشر فقط، بل لتدمير الذاكرة الإنسانية، مشكلة داعش مع الكل، هي تريد فعلا القضاء على البشر والحجر والحياة، آخر ما قامت به تدمير قوس النصر في تدمر، ولأن مشكلتها فعلا مع الحياة، لذا اختارت أقدم المدن التاريخية في العالم والتي تعود معالمها الحضارية إلى القرنين الأول والثاني الميلاديين، والتي ازدهرت بشكل خاص في عهد الملكة زنوبيا ونافست الحضارة الرومانية وقتها، وأدرجتها منظمة اليونيسكو عام 2013 على لائحة التراث العالمي المعرض للخطر، وقبلها دمرت ذاكرة الموصل بداية بجامع النبي يونس ومتحف الموصل، وقلعة تلعفر، وبوابة تركال، ومدينة نمرود، وغيرها، جميع هذه الأماكن مر فيها البشر (الأسوياء) بما فيهم (المسلمون) التي تدعي داعش أنها منهم، ولم يهدم هؤلاء أيا من هذه المعالم، لذا وفي غمرة ادعائي الآن بمعرفة داعش لو فاجأني سؤال: ماذا تعرف عن داعش؟ فإنني سأطيل الصمت! وقد أكون أكثر شجاعة وأعترف أنني لا أعرف عنها شيئا!
أعرف عنهم، لكنني لا أعرفهم، أعرف أنهم يقتلون حتى الجماد، لكنني لا أعرف لماذا يفعلون ذلك، أعرف أنهم يمثلون أقصى درجات الجنون والانحطاط، لكنني لا أعرف سر صمت العالم الذي يدعي الإنسانية، وقبلها لا أعرف السر الذي جعلها تقدم نفسها (إسلامية)، لماذا لم تكن تنظيما مسيحيا أو يهوديا متطرفا؟
أعرف أنها (محترفة) جدا في التجنيد، فهي تستطيع أن تصل لأخي الصغير الذي يجلس بيني وبين والدتي وتحوله لقنبلة تقتلنا جميعا، لكنني لا أعرف كيف وصلت إليه، وكيف أقنعته بدقائق أن كل ما تعلمه بسنوات من مبادئ وأخلاق وقيم ما هي سوى هرطقات عليه أن يتبرأ منها بقتلنا، هل وصلنا لدرجة أن كل مخلوق على وجه هذه الأرض لا يعدو كونه إما "داعشي، أو مشروع محتمل للتدعشن" أو "هو هدف للدواعش"، وكأنه لا يوجد سوى خيارين، إما أن تكفر بكل الأديان وتكون داعشيا تكفر الكل، أو أن تكون كافرا فيقتلك الدواعش، (يا لبؤس الخيارات)، ومع أنني أجزم أن داعش في النهاية ستقتل نفسها، فكلما تمدد نفوذها وكثر أتباعها فإن ذلك سينعكس سلبا عليها وستبدأ بالتقاتل بينها، ويبدأ يكفر بعضها بعضا، كما حدث في التنظيمات المتشددة من قبل، لكن هل يعني هذا أن ننتظرها حتى تصل لتلك المرحلة، بالتأكيد لن ننتظر لأنها لن تصل لتلك المرحلة قبل أن تبيد البشر (الكفار)!
هل تفكر داعش بأن تعيد الأرض نظيفة كهيئتها قبل أن يهبط إليها آدم؟ ربما أتقبل هذه الفكرة من معتوه، وعلي قبل ذلك أن أتقبل أن الدماء مسحوق جيد لتنظيف الأرض!