عدم التخصص ميزة

لطالما شعرنا بالحيرة والذنب حين مواجهتنا بسؤالي القرن الواحد والعشرين، الأول لليافعين (ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟)، والثاني للراشدين (ما الذي تفعله في الحياة؟).
فما يفعله السؤال الأول هو أنه بطريقة لا مباشرة يبدأ في فرض منظومة الخيارات الموجودة والمتعارف عليها على تلك العقول اليافعة.
فيضيق عليها مجالات التفكر والإبحار في فضاء الاكتشاف، وتكوين نموذج جديد من نفسه لا يشبه أحدا.
وأما السؤال الثاني فيدفعك كراشد للرغبة في الانتماء لتخصص معين، أو مجال محدد تم الاعتراف به وتقبله مسبقا من قبل الأنظمة والأعراف، مشعرا إياك بالغرابة وعدم السوية، خاصة إذا كنت متعدد المواهب والاهتمامات، مبدعا في أكثر من مجال، فذلك دلالة على عدم الاحترافية، دلالة على عدم الجدية، دلالة على نقص في شخصك.
تخبرنا ايميلي وبنك في خطابها على مسرح تيد بعنوان (لماذا ليس لبعضنا تسخير واحد؟) بأنه رغم التوجه الفكري والاجتماعي الذي فرضته المنظومة السياسية والاقتصادية بوجوب التخصص والتوجه لمجال واحد تفني فيه حياتك وتضع فيه كل تركيزك، إلا أن هناك صنفا من البشر يستحيل عليه بالطبيعة والفطرة التي خلق عليها أن يكون كذلك، وقد أسمتهم (multipotentialites)، أي بترجمة تقريبية (متعددي الاحتمالات).
وهم الأشخاص الفضوليون نحو كل جديد، يحبون أن يعرفوا عن كل شيء، يشعرون بالحماسة نحو التجارب الاستباقية، لديهم مواهب واهتمامات متعددة، ويبرعون في مجمل المهام التي توكل إليهم.
تقول ايميلي إن لهذه الفئة من البشر ثلاث مميزات رئيسية.
الأولى: تركيب الأفكار، وهي القدرة على جمع الأفكار من أكثر من مجال، ومن ثم ابتكار الأفكار الاستباقية في تقاطعاتها.
الميزة الثانية: التعلم السريع، وهي القدرة على البحث واستيعاب المعلومات لمجال جديد، مما يؤدي إلى تراكم وتنوع المعارف والخبرات المكتسبة واستثمارها في كل تجربة جديدة.
الميزة الثالثة: القدرة على التكيف مع المتغيرات السريعة، والمتطلبات المستحدثة للقطاعات المختلفة، مما يرفع من فعالية الأداء ويسهل التطوير والإنجاز، لتضيف في النهاية أن أفضل الإنجازات هي تلك التي يتعاون فيها المتخصصون ومتعددو الاحتمالات لعمل تكاملي وفعال.
أكان ستيف جوبز ليبتكر أبل ويحفز ابتكار منتجاتها الاستباقية التي غيرت حياتنا لو أنه استمع لمن قال له ركز في عالم الأعمال ودع عنك التكنولوجيا، والتصميم، وعلم نفس المستهلك؟ أكان ابن الهيثم وأبوبكر الرازي وفطاحل العلماء ليثروا عالمنا باكتشافاتهم لو أن أحدا أخبرهم بأنهم يجب أن يركزوا إما في الآداب أو العلوم، وهم الذين أبدعوا في الفلسفة، والعلوم الدينية، والفلك، والفنون، والأدب والبلاغة، والكيمياء وغيرها من المجالات؟ أكان غازي القصيبي ليبدع في إدارة قطاعات ومشاريع مختلفة، ويكون رجل دولة من الطراز الأول، لو أن أحدا أخبره بأنك لا تستطيع أيضا أن تكون كاتبا وشاعرا، يستمتع العالم بذاك التنوع الذاخر في حصيلته الأدبية؟إنها دعوة لنعيد تقييم نظرتنا للأمور.
إنها دعوة لندع صغارنا يتنفسون حرية التجربة والاستمتاع بها بدون فرض أجندات مسبقة، فما هو رائج اليوم قد يصبح مهجورا في المستقبل، والعكس.
إنها دعوة للإقرار بأننا نعيش عالما متجددا يحتاج إلى تكامل الاختلاف، يحتاج إلى تنوع المهارات، والأهم يحتاج إلى عقل متفتح يستبق المتغيرات.