المجهول التاريخي بين الإثبات والنفي

إن المتتبع لمن امتهنوا كتابة التاريخ لبعض أقاليم الجزيرة العربية في الفترة المعاصرة منذ دخول الحكم السعودي الثالث حتى تاريخ اليوم، يجدهم يفتقرون لأبجديات العلم الحديث للتاريخ وطرق نقده ودراسته، ولا يعلم جلهم بأن التاريخ علم إنساني متجدد مر بعمليات تطويرية ونقدية حثيثة حتى أفرز لنا مدارس ومذاهب ومنهجيات شتى تمخضت عبر قرون مضت من أجل إحياء عمليات التجديد للعلوم الإنسانية، بعد أن كان التاريخ محصورا في التاريخ الروائي الذي كان مهتما بسرد الأخبار والوقائع السابقة لمعظم أحداث الحضارات السابقة من عصور الإلياذة اليونانية وحتى تاريخ تشرشل الذي ألفه في الحرب العالمية الثانية.
وأكبر تحولاته التي مرت عليه هي عندما ظهرت المدرسة الوثائقية متأثرة بالفلسفة الوضعية التي سادت أوروبا قبل ثلاثة قرون من ذلك الزمان ودعي رواد هذه المدرسة لاعتماد الوثيقة في كتابة التاريخ مستندين على قاعدة شهيرة لهم تقول: (التاريخ يصنع بالوثائق ولا تاريخ بدون وثيقة).
إلا أنه ومع مطلع القرن الذي يليه (20) لم يستوعب الفكر الأوروبي تقييده في مفهوم ضيق لكتابة التاريخ وحصرها في جزئية ضيقة وهي الوثيقة الورقية النصية للحدث التاريخي المراد بحثه وتدوينه ويلغى ويهمش كل ما عدى ذلك ولا يصبح تاريخا موثوقا. فنشأت الدعوات التحررية من هذا القيد وبدأت معه تتشكل منهجيات ورؤى متعددة انصبت في حقل متجدد حديث اصطلح عليه لاحقا بما يسمى المدرسة الحولية الفرنسية بقيادة لوسيان فيفر ومارك بلوخ ولهم في ذلك مرتكزات وأسس وأفكار وصل تأثيرها للولايات المتحدة الأمريكية واليابان والهند والصين، وهذه المدرسة ومنهجياتها ليست موضوعنا الآن.
وموضوعي في مقالي هذا هو تعقيب على مهاتفة أتتني من أحد باحثي تاريخ الأقاليم له مؤلفات عدة في هذا الشأن قبل أشهر عدة يسألني سؤالا أعياه جوابه كما يقول وهو عن حقيقة وجود كيان سياسي حقيقي لأحد الأقاليم في القرن الحادي عشر...؟ وينفي بشدة هذا الأمر بسبب عدم وجود وثيقة نصية من ذلك العصر مختومة بختم أحد أمرائه، وكذلك عدم وجود تدوينة واحدة مكتوبة مزامنة لتلك الحقبة الزمنية حكت بعض أحداثها، وبهذا توصل إلى نفي ما يقال في هذا الكيان جملة وتفصيلا وأنها خرافات وغير حقيقية؟!
فوجهت إليه سؤالا عرضيا: هل تريد كشف غموض تلك الحقبة الزمنية وفك طلاسمها حقا؟ أو تريد أن تناكف من حاول اكتشاف هذا الغموض ووجد ما يظن أنه متكأ صلب لإثباته؟ فقال: نعم أريد ذلك، فأجبته مباشرة: الغموض التاريخي لحقبة زمنية معينة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكشفه من خلال مشرب واحد استندت عليه وعلى أدواته المحدودة الضيقة فقط، وجميع أدوات هذه المدرسة لن توصلك للغاية التي تنشدها.
والذي أقترحه عليك بما أنه أعياك ذلك، أن تتجه إلى مدرسة أخرى لها أدواتها الخاصة بها وتجربها في كشف غموض ونزع اللبس الذي طرأ على بحثك. فرد علي: وماذا أعمل؟ قلت له: تلجأ للوثيقة السماعية بدلا عن الوثيقة النصية. قال: ماذا تقصد: قلت جمع جميع القصائد والشواهد الشعرية التي قيلت في ذلك الكيان أثناء تلك الحقبة وبعد ذلك تقوم بدراستها وتحقيقها. فقال: القصائد ممكن تحريفها وتأليفها. قلت: والوثائق يمكن تحريفها وتزييفها! قال: صحيح ولكن سنتحقق منها ونقوم بمعاينتها للتأكد من صحتها. فقلت له: نفس الشيء أعمله مع الوثيقة السماعية. فقال: صعب أن تذهب لكل راوٍ وتعاين ما لديه وتحقق معه من أين سمعتها ومن قالها لك، وهل سمعت بهذا البيت ومن قائله، وهذا كلام طويل عريض ولن يفيدني رسميا!
وكأن لسان حاله حال «ربورت لوي» عندما يقول: لا يخدم المؤرخ نفسه عندما يقصر مهمته على استجواب السكان المحليين لكتابة تاريخهم! فأجبته بأنه لا حرج من ذلك، وعليك أن لا تقلل من قيمة الوثيقة السماعية في إثبات التاريخ وأحداثه فالتاريخ الجاهلي لم تثبته وثيقة نصية مختومة وإنما الوثائق السماعية والمعلقات الشعرية هي من وثقته، فعنترة والداحس والغبراء والزير سالم وحرب البسوس وزرقاء اليمامة..إلخ، لم يكن لدى من دون تاريخهم مثلا وثيقة بختم عنترة أو ورقة إحصائية لقتلى الداحس والغبراء من مرصد حقوقي محايد أو فرمان مختوم بالصلح بين بكر وتغلب وعليه اثنان شهود ومثلهم مزكية وعشرون ختما للقبائل المجاورة لكي يثبت حقيقة وجود هذه الشخصيات وأحداثها.
وعليه فأطالبه وكل باحث تاريخي أن يعيد النظر في منهجيات بحثه وأهدافه من الدخول إلى هذا الحقل الإنساني، وأن لا يلجأ لمشرب واحد وإنما لمشارب متعددة لها أدوات ومنهجيات يعول عليها داخليا وخارجيا، وأن يتحرروا من قيود المدرسة الوضعية لدراسة تاريخهم وكشف غموضه، وأن ينهلوا من المدارس الأخرى المتأصلة... أن يتذكروا أن التاريخ ليس محور كتابته إرضاء المراكز الأكاديمية أو بعض زعماء القبائل الحاليين، وإنما حفظا للأجيال المتلاحقة في أي إقليم، واستشرافا لمآلات المستقبل استنادا على الماضي، فالتاريخ يعيد نفسه والحقيقة كامنة في محلها تحتاج من يبحث وينقب عنها ولن تخرج من خدرها متلحفة لحافها إلى عند قدمي مريدها لتقول له: أنا هنا يا من كذبتني وشككت في!
وأخيرا التاريخ هو معرفة الماضي لبناء الحاضر والإعداد للمستقبل... والوثائق النصية والسماعية ليست في حدها تاريخا وإنما هي شهادة تشهد على جزء من اللحظة التاريخية بهدف الوصول إلى الحقيقة، وأقول: (التاريخ لن يحجبه غربال الوثيقة!).