دعششونا أم دعششناهم
الثلاثاء، ٦ أكتوبر ٢٠١٥
التراث الإسلامي المتراكم على مدى أربعة عشر قرنا يماثل النهر العظيم من الآيات، والأحاديث، والتفسيرات، والمقولات، والسير، والاستدلالات، والتي لا يمكن اعتبارها كتلة واحدة.
في النهر مناطق صفاء ونقاء تبرز في منتصفه، وكلما اتجهنا إلى إحدى الضفتين، اختل التيار، وعلقت به الشوائب، وكثر الهمج.
في الوسط نجد الإله الرحمن، السلام، المحبة، ولكنه في الأطراف يحمل معاني تناقض هذه الصفات وتتحول إلى شيطانية.
من يشرب من المنتصف فهذا اختياره، ولكنه سيواجه بمن يعنفه ويفرض عليه الشرب إما من الطرف الشديد المتشدد، والذي يدعو للحرق والقتل، والسبي، وغيرها من الأمور، التي تسيئ لكل معاني الدين، أو من الطرف المتحرر المتحلل التفسخ بالعربدة والكفر وانعدام الأخلاق.
داعش يشربون من نفس النهر، ولكنهم اختاروا الضفة المتشددة، فكانوا يحاربون باسم الدين، ويبدعون في تشويهه؛ وكذلك المنحلون أخلاقيا يشربون من نفس النهر، ولكنهم يبحثون عن أضعف الأحاديث والمقولات، التي تؤكد لهم بأن ما يفعلونه لا يخرج عن الدين.
العبودية كانت في يوم من الأيام تجري في منتصف النهر، بآيات، وأحاديث وفقه، ولكنها اليوم انزاحت وحصرت في بئر الممنوع، وذلك بعد قرار عالمي برفض تلك السلوكيات كليا على مستوى الإنسانية، ثم تبعها قرار حكومي داخلي تماشى مع العصر والعقل، والإنسانية.
فهل لو قام أحدنا الآن بشراء العبيد والقيان يجد من يقف معه من ناحية الدين؟.
الأمر هنا يدل على أن تصفية الدين تكون تشريعية مدنية، وحسب ما يتناسب مع العصر.
ولذلك لم نعد نرى الجزية، ولا قتل المرتد، وغيرها من الأمور، التي كانت تخرجنا عن منتصف صفاء الدين، رغم ما لها من الشواهد والدلائل في الدين.
داعش أحرقت، ونحرت، واغتصبت، وباعت البشر، وخرجت على الحاكم، وكانت تشرب من نفس النهر.
وكثير من العلماء صمتوا، وكأن على رؤوسهم الطير، فليس لديهم القدرة على رفض أفعال داعش، وهم لا يمتلكون الشجاعة للتصدي لتنقية التيار؛ بشكل يجتمع فيه كبار العلماء لأخذ القرار، ومن ثم تقوم الدولة بإقراره كما سبق وأن قرروا في فترة تجريم الرق، رغم ما يوجد بنهر الدين عنه من الآيات والأحاديث، والفقه.
الأمر خطير، والأمة الإسلامية مهددة من كل الجوانب، والنشء الجديد بدأ يهرب من ضفاف النهر، ليشرب من زجاجات معقمة تصله من كل صوب.
تنقية النهر واجب على منظمة العالم الإسلامي، وعلى كبار علماء المسلمين، لو قدر لهم أن يتركوا السياسة والشخصنة، وأن يتجهوا للنهر يغسلون فيه أدرانهم، ويعودون لأمة الإسلام بنهر أقل شوائب، وعوالق، وأكثر قربا للمنطق والعقل، والعصر.
نهر يجمعنا على كل صفاء ونقاء ومحبة، ويُخرج من النهر كل من يحاول أن ينتقي ما يشاء، ويفعل ما يحلو له.
ونعود للسؤال المرصود في العنوان، فهل دعششناهم، أم دعششونا؛ ولعل الجواب يستدير على شكل نظرية الدجاجة أم البيضة أولا.
ولكن وبعد تنقية النهر كليا، فمن المؤكد أننا سندرك ذلك يقينا، بأن من يخرج على نقاء النهر، يكون هو من دعشش، وهو من يستحق أن نخرجه عن الكلمة والإجماع.
مجرد أمنية، أعرف قدر صعوبة تنفيذها، وقدر معارضيها، ولكني أطلقها مخلصة.