بدأ ضيوف الرحمن منذ بدء موسم الحج الحالي بجني ثمرات أكبر توسعة شهدها الحرم المكي، بعدما تابعوا تفاصيل مراحلها لسنوات كانت خلالها تضيق طاقتها الاستيعابية بالمصلين والطائفين، حتى جاء الموعد وفتحت توسعة المطاف كاملة لتستوعب 105 آلاف طائف في الساعة، وتوسعة خادم الحرمين الشريفين للمسجد الحرام والساحات الشمالية.
وفتحت عبر توسعة الملك عبدالله والساحات الشمالية مسارات خاصة تربطها بصحن المطاف والمصليات المحيطة به لسهولة الوصول إلى أي جهة من جهات الحرم في أسرع وقت، وكذلك الإدارات المعنية بخدمة الحجيج كالتوجيه والإرشاد، وإدارة التطويف وإدارة شؤون الحج والعمرة وغيرها من الإدارات التي يرتبط عملها مباشرة بالحجاج.
وكان الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي صرح أخيرا أن توسعات الحرم المكي الشريف بدأت تؤتي أكلها وتظهر ثمارها جلية أمام الحجاج وضيوف الرحمن الذين ينعمون اليوم بالاستفادة من كامل أرجاء توسعة المطاف، بالإضافة إلى مشروع الطواف الموقت الذي أنشئ في بداية أعمال التوسعة لاستيعاب أعداد من الزوار والحجاج خلال فترة تنفيذ مشروع توسعة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله للمطاف.
ولتوسعة الحرم المكي رحلة مع التاريخ ومحطات كثيرة من البناء، وكذلك من التوقف الذي دام نحو 810 سنوات بين العهدين العباسي والعثماني.
وهناك وقفات مع التاريخين القديم والحديث: توسعة الخلفاء الراشدين لم يكن للمسجد الحرام منذ عهد الخليل عليه السلام وحتى عهد رسول الله وعهد أبي بكر رضي الله عنه سور خاص به بل كانت الدور تحيط به من كل جانب، تمتد بينها طرق تؤدي إلى الكعبة المشرفة، وقد بقي الأمر على هذا الحال في أول الإسلام، حتى اشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما قرب من الكعبة من دور، وأدخلها في المطاف، وجعل حولها جدارا قصيرا دون القامة، وعمل سدا عظيما بأعلى مكة في الجهة الشرقية الشمالية من الكعبة؛ حماية للمسجد الحرام والكعبة من السيول العظيمة التي كانت تجتاحها.
ولما ضاق المسجد على المصلين في عهد عثمان رضي الله عنه، اشترى بعض الدور وأدخلها في المسجد، وذلك سنة 26 من الهجرة، وجعل للمسجد أروقة.
العهود الإسلامية بدأت توسعة عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما للمسجد الحرام في سنة 64 من الهجرة، حيث اشترى دورا من الناس وأدخلها في المسجد الحرام، كما قام ببناء الكعبة على قواعد إبراهيم الخليل عليه السلام.
وأتبعت تلك التوسعة ببناء عبدالملك بن مروان لما تهدم من المسجد الحرام في بعض أجزائه بسبب قتال الحجاج لابن الزبير، وجلب إليه السواري بالبحر عن طريق جدة، وسقفه بالساج وعمره عمارة حسنة، كما أعاد بناء الكعبة على بناء قريش.
أساطين الرخام ثم جاءت توسعة وبناء الوليد بن عبدالملك بن مروان، وذلك سنة 91هـ، إذ نقض عمل أبيه وعمل عملا محكما بأساطين الرخام، وسقفه بالساج، وأزّر المسجد من داخله بالرخام، وجعل للمسجد شرفات، وبقي المسجد الحرام على ذلك الحال حتى زاده الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور زيادة يسيرة في شقه الشامي، وأقام منارة في الركن الغربي.
الزيادة الكبرى ثم أعقب ذلك الزيادة الكبرى والبناء العظيم الذي قام به الخليفة المهدي العباسي، حيث أمر بشراء الدور التي في أعلى المسجد الحرام بين المسعى والمسجد من الجانب الشرقي، وكذلك من الجوانب الأخرى، وأدخلت هذه المساحات كلها توسعة للمسجد الحرام، وبدأت التوسعة سنة 167هـ، غير أن الخليفة المهدي وافته المنية قبل أن تكتمل هذه التوسعة، فأكملها ابنه الخليفة موسى الهادي سنة 169-170هـ.
وكانت توسعته أعظم توسعة وبناء، فقد زاد في المسجد 12512 مترا.
توقف الـ810 سنوات ثم حصل في المسجد الحرام إصلاحات وترميمات متعددة في عهود عدد من خلفاء بني العباس، كان آخرها في عهد الخليفة المقتدر بالله سنة 306 هـ، وبقي المسجد من وقت عمارة المهدي لم يحصل له تجديد ولا توسعة تذكر مدة 810 سنوات، سوى بعض الترميمات والتحسينات وبعض الزيادات اليسيرة.
بناء العثمانيين في عهد الخليفة العثماني السلطان سليم خان سنة 979هـ حصل في المسجد الحرام خلل وتصدع كبير، بحيث لا ينفع معه أي علاج، فأصدر السلطان أمره ببناء المسجد الحرام جميعه بغاية الإتقان والإحكام، ولما فرغ من بناء الجانبين الشرقي والشمالي توفي رحمه الله، وتولى ابنه السلطان مراد خان الخلافة فأصدر أمره بإكمال بناء المسجد الحرام، حتى أكمل بناؤه بناء كاملا على الشكل القائم الآن، وذلك عام 984هـ، وهو ما يسمى الآن بالرواق العثماني.
بناء الكعبة ثم تلا ذلك ترميمات وإصلاحات عدة في عهد الدولة العثمانية، كان من أهمها بناء الكعبة المشرفة حين تهدمت بسبب الأمطار، وكان ذلك في عهد السلطان مراد خان ابن السلطان أحمد خان عام 1040هـ.
مميزات العمارة العثمانية: أهم ما يميز عمارة الرواق العثماني أنه حل فيها القباب محل السقف الخشبي، وأنشئ نتيجة لذلك عدد من الأعمدة الرخامية، واستخدمت الأعمدة التي تبقت من عمارة المهدي، وأعمدة من الحجر الشميسي، وقد أصبح عدد الأعمدة بعد هذه العمارة 589 عمودا، موزعة على جميع جهات المسجد الحرام، والعقود 881 عقدا، وضم المسجد 152 قبة، موزعة على جهات المسجد الأربع، و232 طاجنا بجوار القباب، وعدد الأبواب 26 بابا، وبلغت مساحة المسجد الحرام في العمارة العثمانية 28003 أمتار مربعة.
العهد السعودي بدأت عمارة المسجد الحرام في العهد السعودي بالإصلاحات والأوامر التي أصدرها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن، إذ أمر بإصلاح كل ما يحتاج إلى ترميم وإعادة بناء في الحرم المكي، بالإضافة إلى تأسيسه لمصنع كسوة الكعبة المشرفة والذي تطور في مراحل متلاحقة حتى وصل إلى ما عليه الآن، ويقوم بصناعة الكسوة التي تلبسها الكعبة المشرفة في التاسع من ذي الحجة في كل عام، كما أمر رحمه الله بإنشاء سبيل الملك عبدالعزيز لسقاية زمزم ورفد الحجاج والمعتمرين به.
وأمر رحمه الله بعمل باب جديد للكعبة مغطى بصفائح من الفضة الخالصة، محلاة بآيات قرآنية، نقشت بأحرف من الذهب الخالص، وأمر بإصلاح عضادتي باب الكعبة بالفضة الخالصة الموشاة بالذهب، وفي سنة 1370هـ أمر رحمه الله بترخيم الواجهات المطلة على المسجد الحرام ورحباته ترخيما كاملا.
إنفاذ الوصية وكان الملكان سعود وفيصل رحمهما الله قد أنجزا بعد ذلك التوسعة الكاملة التي أمر بها والدهما في حياته، حيث أعيد من خلال تلك التوسعة بناء المسجد الحرام، وتغيير سقف الكعبة، بالإضافة إلى إزالة بعض الإنشاءات التي كانت تزاحم المصلين في الحرم، كما أنشئت بعض الميادين والطرق ودورات المياه وغيرها.
4 مراحل ومرت التوسعة السعودية الأولى بأربع مراحل تم خلالها بناء درج دائري للصفا وآخر للمروة، وجعل للطابق الأول من المسعى ثمانية أبواب على الواجهة الشرقية للشارع العام للدخول منها إلى المسجد الحرام، وجعل للطبقة الثانية منه مدخلان من خارج الحرم، أحدهما عند الصفا، والآخر عند المروة، كما جعل لهما مصعدان، أحدهما عند باب السلام والآخر عند باب الصفا.
وقد تمت في هذه المراحل الأربع أعمال ضخمة أعادت صياغة الحرم المكي الشريف وما حوله بإحاطته بالميادين والشوارع الفسيحة، وكل ما تم من مباني عمارة التوسعة حتى الآن يكسو جداره من الداخل والخارج المرمر وسقوفه وعقوده الحجر الصناعي، مما يضيف إلى ضخامة البناء بهاء، ويبعث في النفوس الفرح والابتهاج بما صار إليه بناء حرم الكعبة المشرفة من روعة وجلال يليقان بما لها من قدسية وتعظيم.
توسعة الملك فهد: وفي عام 1403هـ أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله بنزع ملكيات عقارات السوق الصغير غرب المسجد الحرام، وتعويض أصحابها بمبالغ مرضية؛ تهيئة لتوسعة كبرى للمسجد الحرام أمر بها رحمه الله، وقد بلغت مساحة أراضي العقارات المنزوعة ملكياتها 30.
000 متر مربع، فهيئت كساحات موقتة للصلاة قبل البدء بأعمال البناء عليها.
وفي عام 1406هـ أمر رحمه الله بتبليط سطح التوسعة السعودية الأولى بالرخام البارد المقاوم للحرارة، ولم يكن يستفاد من السطح إلا لأعمال الكهرباء، وكانت شبكات الكهرباء المنتشرة في مواضع متفرقة من السطح تعيق المصلين، فأمر خادم الحرمين الشريفين أن تجمع جميع شبكات الكهرباء في قباب جميلة، وقد بلغت مساحة السطح 61.
000 متر مربع، يتسع لـ90 ألف مصل، وكان من قبل غير مهيأ للصلاة فيه.
توسعة الملك عبدالله بدأت تنفيذ توسعة الملك عبدالله للحرم المكي الشريف عام 2008 من خلال ثلاثة محاور رئيسة، الأول: هو التوسعة ذاتها للحرم المكي، ليتسع بعد التوسعة لمليوني مصل.
والثاني: الساحات الخارجية، وتحوي دورات المياه والممرات والأنفاق والمرافق الأخرى المساندة والتي تعمل على انسيابية الحركة في الدخول والخروج للمصلين.
أما الثالث: فمنطقة الخدمات والتكييف ومحطات الكهرباء ومحطات المياه وغيرها، وتصل مساحة التوسعة إلى 750.
000 متر مربع.
ويشتمل المشروع على توسعة ساحات الحرم من جهة الشامية، تبدأ من باب المروة وتنتهي عند حارة الباب وجبل هندي بالشامية وعند طلعة الحفائر من جهة باب الملك فهد.
وهذه التوسعة عبارة عن ساحات فقط ومقترح إنشاء 63 برجا فندقيا عند آخر هذه الساحات.
وتوسعة صحن المطاف بهدم التوسعة العثمانية وتوسيع الحرم من الجهات الثلاث وقوفا عند المسعى، حيث إن المسعى ليس من الحرم وتوسيع الحرم من جهة أجياد، كما تتم تعلية أدوار الحرم لتصبح أربعة أدوار مثل المسعى الجديد حاليا، ثم تعلية دورين مستقبلا ليصبح إجمالي التعلية 6 أدوار، وتشمل توسعة الحرم من ناحية المسفلة بهدم فندق الإطلالة وفندق التوحيد انتر كونتيننتال.
توسعة المطاف: تعد توسعة المطاف من أهم القرارات التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، حيث أمر قبل نحو 3 أعوام بتوسعة المطاف عبر ثلاث مراحل زمنية تنتهي بنهاية هذا العام ليتسع المطاف إلى أكثر من 107 آلاف طائف خلال الساعة الواحدة، كما أمر بإنشاء الطواف الموقت لاستيعاب أكثر عدد ممكن خلال العمل في مراحل المشروع قبل اكتماله.