في عام 1356هـ حَجَّ نفرٌ مِنْ أساتذة الجامعة المصريَّة وطلَّابها، مِنْهم أحمد أمين، وعبد الوهَّاب عزَّام، وعبد الحميد العبَّاديّ، وهم الصَّفوة الممتازة مِنْ مفكِّري الأُمَّة ومثقَّفيها، أولئك الَّذين أَلِفَ طُلَّاب العلوم العربيَّة والإسلاميَّة أن يظهروا على آثارهم، كلَّما أرادوا معرفةً أوسعً بتاريخ الإسلام وحضارته، واللُّغة العربيَّة وآدابها، بلْ كلَّما أرادوا مَدَّ أسبابهم باللُّغات الإٍسلاميَّة وأدابها.

وكنتُ قدْ قرأْتُ في كِتاب ذكريات العهود الثَّلاثة للأديب المدنيّ محمَّد حسين زيدان إلماحة إلى المؤرِّخ المصريّ الجليل أحمد أمين، ولمْ أُعَنِّ نفسي بتتبُّع رحلته إلى الحجّ، حتَّى وقع في يدي رحلات رفيقه في الرِّحلة العلَّامة عبد الوهَّاب عزَّام، فإذا برحلته الحجازيَّة مِنْ بين ما انطوى عليه هذا الكِتاب مِنْ رحلات جال فيها صاحبها في القُطر المصريّ، وفي غير ناحية مِنْ بلاد العرب، وإيران.

نظهر في رحلة عبد الوهَّاب عزَّام على نمطٍ مختلفٍ مِنْ أوصاف الرِّحلة الحجازيَّة، ولعلَّ أوَّل ما يستجلب النَّظر تلك اللُّغة الَّتي أرادها عربيَّة عرباء، فلا تُلْقِي بصرك إلَّا على كَلِمٍ مصفًّى مختارٍ، مِمَّا لمْ تألفْه في أساليب الكُتَّاب العرب المُحْدثين، وعلى أنَّ أسلوبه في الكتابة أدنَى إلى أساليب العرب القدامَى، فإنَّه لنْ تعترضك مفردة نافرة، أوْ كلمة يتعاصَى عليك فهمهما، وعساك كلَّما مضيتَ في هذه الرِّحلة الحجازيَّة الَّتي أريد لها أنْ تذيع في مجلَّة مِنْ تلك المجلَّات الَّتي يألفها الأدباء والمثقَّفون = توشك أنْ تَصِلَ قديم اللُّغة وتليدها بالجديد والحديث مِمَّا وقع بعضه لذلك العلَّامة الجليل، فأدَّاه في أدقّ عبارة وأسلسها.

بعثَ الحجاز، وبعثَ الحجّ في نفس عبد الوهَّاب عزَّام والجِلَّة مِنْ علماء مصر وأدبائها ذكريات لنْ تُنْسَى، وأحسب أنَّ هذه الرِّحلة إنْ هي إلَّا ترنيمةٌ لعاشقٍ تَكَشَّفَتْ له تلك الصَّحاري والقفار، وما اكتنفها مِنْ وديان وجبال، عنْ معانٍ لا يُدْرِكها إلَّا مَنْ أدرك معنى الحجّ ورموزه، وإلَّا مَنْ كان يقرأ في تلك الأسماء الَّتي ما اختلفتْ، رُغْم كرور الأزمنة والقرون، تاريخًا لا تبوح بها: «مِنًى»، و»المحصَّب»، و»ثَبِير»، وسواها مِنَ الكلمات الَّتي هي جزء مِنْ جغرافيَّة الحجّ، لكنَّها بعثت في عبد الوهَّاب عزَّام ثقافة ما ظَنَّ أنَّها لا تزال تُخَايِل مثقَّفي الحُجَّاج، أولئك الَّذين يطالعون تلك الأسماء، وكأنَّما يقرأون صفحةً مِنْ صفحات كِتاب الأغاني، لأبي الفرج الأصفهانيّ، أوْ كأنَّما طُوِيَتْ لهم الأزمنة، حتَّى جمعتْهم بالفِتْيَة المنعَّمِين مِنْ قريش، يتتبَّعون الحُسْن أنَّى ساروا، ولمْ يكنْ ليعنيهم مِنْ تلك الأمكنة إلَّا أنَّها تجمعهم بحبيباتهم، حِين يقدمن إلى هذه الدِّيار يُرِدْنَ الحجّ، فإذا بعبد الوهَّاب عزَّام، وهو الحاجُّ المتنسِّك، ينسى حجَّه، وتسرح به ذاكرته، فتعيده تلك الأمكنة إلى الشِّعْر، وإلى الجَمَال، وإلى اللُّغة والأخبار والمرويَّات، حتَّى انتبه فأذكره الشَّاعر جرير بن عطيَّة «التَّلبية»، فقال، مِنْ فوره: لبَّيكَ اللهمَّ لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك! فأنشأ يكتب:

«كمْ في هذه الخيام مِنْ قلوبٍ وردتْ هذه المشاهد ورود القَطَا الظِّماء! وكمْ مِنْ نفوس هجرتْ خفض العيش إلى مشقَّة الأسفار، وغربة الدِّيار، لتنعم بالذِّكْر والتَّوبة، في هذه البقاع المقدَّسة. لوْ نفض كلُّ قلب هنا آماله وآلامه لسامتْ هذه الجبالَ جبالٌ مِنْ أحزان البشر وأمانيهم، حملها أصحابها إلى سُدَّة الخالق العظيم يستغفرون ويتضرَّعون، ويسترحمون ويتذلَّلون. سرائر لو اجتمعتْ في هذه السَّاعة لَتَمَثَّلَ فيها تاريخ البشر. لو اجتمعتْ! – لوْ تشاكى أصحابها وتناجى أربابها! لوْ تشاكى المسلمون في هذه البقعة وبَثَّ بعضهم لبعض خبايا قلبه، وتشاوروا فيما يحزبهم! أجلْ، هذه خيام مجتمعة وجماعات مختلفة، وبينها تعارف وتزاور، ولكنْ أين هذا مِمَّا يريده الإسلام ونريد أن ييسَّر لكلّ حاجٍّ السَّير والزِّيارة، ويمكَّن مِنْ أن يلقى مَن يشاء حين يشاء».

كانتْ رحلة عبد الوهَّاب عزَّام نداءً رُوحيًّا، أوْ كأنَّها قصيدةٌ شرقيَّةٌ استبهمتْ على القُرَّاء، فجعل مترجم الشِّعْر الفارسيَّ يشرح غامضها، ويفكُّ ملغزها، لكنَّ في هذه الرِّحلة القصيرة إلماحاتٍ بارعةً لا تتيسَّر إلَّا لِمَنْ كان مولَّعًا مشغوفًا بلُغة العرب وثقافتهم وأدبهم، فالأمكنة والكلمات ليستْ جوامد ساكنات، إنَّها رُوحٌ ساكنٌ حتَّى يأتي عاشقٌ فيبعث ذلك الرُّوح فيبوح بأسراره. كان ذلك يوم كان عبد الوهَّاب في مِنًى يُهَيِّئ نفسه للعودة إلى مكَّة المكرَّمة، فكانتْ مِنْه التفاتة فإذا أعرابيٌّ مِنْ أعراب تلك النَّواحي، «تفترُّ شفتاه عنْ أسنان ناصعة وفي فمه عود.

قلتُ: ما هذا؟ قال: بشام. قلتُ: الَّذي يقول فيه جرير:

أَتَذْكُرُ إِذْ تُوَاعِدُنَا سُلَيْمَى

بِعُودِ بَشِامَةٍ؟ سُقِيَ البَشَامُ

وقلتُ: وما هذا؟ مشيرًا إلى شجرة صغيرةٍ مِنَ الشَّجر الَّذي يسمَّى السِّنْط في مصر. فقال: سَلَم، فتذكَّرْتُ قول القائل:

وَيَوْمًا تُوَافِينَا بِوَجْهٍ مُقَسَّمٍ

كَأَنْ ظَبْيَةٌ تَعْطُو إِلَى وَارِقِ السَّلَمْ

وقول الحَجَّاج: والله لأعصبنَّكم عصب السَّلَمة.. إلخ

قلتُ: أتستطيع أنْ تأتينا بأعواد مِنَ البشام؟ قال: إنَّه على الرِّيع الآخَر، وأشار إلى الجبل، يعني سفحه الآخَر. فتذكَّرتُ الآية الكريمة: {أتبنون بكلِّ رِيعٍ آيةً تَعْبثون}، والرِّيع: المكان المرتفع.

قلتُ لأصحابيّ: لو اتَّسع الوقتُ لأخذْنا كثيرًا مِنَ اللُّغة عنْ هذا الأعرابيّ، فمنْ كان يظنُّ أنَّ هذه ألفاظ ميِّتة في المعاجم، فليعلمْ أنَّها لا تزال حيَّةً في أفواه كثير مِنَ العرب»!

تمنحنا الأمكنة والكلمات بقدْر أفهامنا، وتبوح لنا بأسرارها إنْ عرفْنا مفاتيحها. ولا جَرَمَ أنَّ عبد الوهَّاب عزَّام – رحمه الله – كان واحدًا مِنْ أولئك العارفين الكِبار، عرف مِنْ تلك الأمكنة والكلمات فوق ما عرفه آخرون!