نشرت صحيفة سعودية كبرى قبل أيام قليلة خبرا مفاده أن السعوديات الموظفات أكثر طلاقا من العاطلات، حيث أشار إلى آخر أرقام هيئة الإحصاء بأن 72 ألف سيدة طلقن بسبب عملهن في عام 2016، مقابل 14 ألف مطلقة لا يعملن. والتقط هذا الخبر العديد من الصحف الالكترونية والوسائل الإعلامية والهوامير في تويتر للحديث عن «طلاق الموظفات»، وبدأ الشعب السعودي يبدي مواهبه في الفتاوى الاجتماعية والأسرية. هذا الخبر يضاف إلى سلسلة أخبار وتصريحات عديدة سمعناها خلال الفترة الماضية - كتصريح «الساعة الواحدة» - تندرج تحت عنوان عريض: كيف تخدع الناس بالأرقام؟

تقوم الهيئة العامة للإحصاء مشكورة بنشر آخر الإحصائيات السكانية في موقعها الالكتروني، وهي تتضمن كنزا ثمينا لصناع القرار والمهتمين والمطلعين من صحفيين وإعلاميين. لكنها في نفس الوقت تفتح الباب للكسالى أو المغرضين الذين لا يعرفون أساسا أساسيات قراءة الأرقام وفهمها وتفسيرها، خصوصا إن كانت ذات علاقة بمسائل اقتصادية أو اجتماعية. هذه الأرقام تؤخذ بجدية كبيرة لأنه حسب الاعتقاد الشائع أن الأرقام محايدة ولا تعرف الكذب، ولكن ما لا يدركه الناس أن كثيرا من هذه الأرقام يمكن تحويرها ألف مرة وبألف خبر، والإنسان لا يدري أيهما الصحيح من الخاطئ. في هذا المقال سأوضح أبرز التكتيكات لاستخدام الإحصاء والأرقام لخداع الناس.

التكتيك الأول هو تحويل التزامن إلى علاقة سببية. فمثلا حين تعود إلى تقرير الهيئة العامة للإحصاء عن قوة العمل بحسب الحالة الزوجية والجنس، تجد أن التقرير فقط يذكر عدد العاملين والعاطلين بحسب الحالة الزوجية، بدون توضيح ما إن كانت هناك علاقة سببية بين الحالة الزوجية وبين العمل. لكن هذه المعلومة مملة إلى حد كبير مما يدفع بالبعض إلى اختراع رابط سببي من نسج خياله ليوهم القراء بقوة حجته المدعومة بالبيانات. هناك مقولة قديمة تقول إن التزامن بين أمرين لا يعني وجود علاقة سببية مباشرة بينهما. فمثلا هناك ترابط قوي في أمريكا بين عدد الوفيات نتيجة الغرق في المسبح، وعدد الأفلام التي يظهر فيها الممثل الأمريكي نيكولاس كيج! كما يوجد ترابط كبير جدا بين عدد حالات الوفاة نتيجة الاختناق بغطاء السرير واستهلاك الجبن. هذه التزامنات صحيح أنها موجودة، ومترابطة بشكل كبير جدا، لكن هذا لا يسمح لأحد الادعاء بأن ظهور نيكولاس كيج في الأفلام يدفع الناس للوفاة غرقا!

أما التكتيك الثاني فهو مقارنة الأرقام بدلا من النسب. حين تعود - مرة أخرى - إلى ذات التقرير تجد أن هناك حوالي مليون سيدة موظفة مقابل 218 ألف عاطلة بما يعني أن السعوديات الموظفات أكثر زواجا من العاطلات حسب ذات منطق الخبر. وهنا تجد نفسك أمام نسختين متضادتين باستخدام نفس الأرقام. لكن الحقيقة هي أن استخدام الأرقام بهذه الطريقة خطأ فادح، لأن نسبة الموظفات أساسا أكبر بكثير من نسبة العاطلات بغض النظر عن الحالة الاجتماعية والأسرية. بالمقابل، مقارنة النسبة المئوية أكثر دقة من مقارنة الأرقام لكن حتى النسب المئوية ليست كافية للإجابة الوافية عن علاقة السبب بالنتيجة.

أما التكتيك الثالث فهو استخدام الأرقام لدعم فكرة أخرى لا تمت للأرقام بصلة. قد يبدو هذا طريفا لكن لا تنسى أن معظم مستخدمي فيس بوك (25% من السعوديين) وتويتر (20% من السعوديين) يتفاعلون أكثر مع المحتوى المصور حتى لو لم تكن له علاقة. أعترف أني لست متأكدا من الجملة السابقة لكنها أليست -على الأقل- جملة محترمة جدا ومدعومة بإحصائيات غير مفيدة؟ هكذا يفعلها الكبار! شكك في كل رقم تقرأه حتى يثبت لك العكس.

كيف تكذب باستخدام الأرقام؟
1 تحويل تزامن الأحداث إلى علاقة سببية
2 استخدام الأرقام بدلا من النسب المئوية
3 استخدام أرقام مشتتة لا علاقة لها بالموضوع

alhazmi.f@makkahnp.com