قدم عدد منهم إلى مكة المكرمة من أرض حضرموت، أسرة بابصيل الشهيرة في مكة المكرمة كانوا من سكان وادي الأيسر وحريضة والهجرين وبلدان الدوعن، وينتهي نسبهم إلى كندة.
اشتهروا بالعلم والديانة، واستوطنوا مكة في منتصف أو قبل منتصف القرن الثالث عشر الهجري.
وعرف منهم في البلد الحرام الشيخ محمد سعيد بابصيل، ولم نجد ضمن المصادر المتاحة تحديدا لتاريخ ميلاده، لكن من الثابت أنه ولد بمكة المكرمة، وأخذ العلم عن عدد من علماء الحرم المكي الشريف وحفظ القرآن الكريم، وبعد أن ظهر تفوقه تصدر للتدريس فيه، فكان يعلم في حلقته الحديث، خاصة صحيح البخاري بحاشية السندي، كما يدرس صحيح الإمام مسلم، إضافة إلى تدريسه تفسير القرآن الكريم والفقه، وكان إماما في المقام الشافعي بالحرم، وخطيبا مفوها لخطبه قوة وتأثير في النفس.
كما كان مقصدا لطلاب العلم في مكة وخارجها، وليس أدل على ذلك مما ذكره أبوعبدالله محمد بن جعفر الكتاني في رحلته حيث يقول عنه «هو شيخ الإسلام بمكة، ومفتي الشافعية بها، حضرت مجلسه في التفسير في سورة الكوثر ثم يوم الختم، وأتانا لمحلنا وأتينا إليه في داره، واستجزناه فأجازنا وأولادنا وأخواتنا وإخواننا».
كما ذكره عبدالحي الكتاني في كتابه فهرس الفهارس والأثبات ممن أخذ وروى الحديث عنهم، وعندما حج أحمد بن حسن العطاس من المدرسين في حضرموت نزل في بيت الشيخ بابصيل في مكة وأقام عنده.
وكدليل على قوة بابصيل العلمية، ومقدار ما يتمتع به من صيت أنه عندما ساءت الأوضاع بين الدولة العثمانية والثوار في اليمن، طلب السلطان العثماني عبدالحميد الثاني من الشريف علي أمير مكة المكرمة أن يرسل وفدا من العلماء والأعيان المكيين لمناصحة إمام اليمن الإمام يحيى حميد الدين، وأن يطلب منه إيقاف الحرب التي تشنها قواته على الحاميات العثمانية، وذلك بعد أن ارتأت الدولة أن أسلوب القمع لم يعد مجديا في مقاومة الثوار اليمنيين، فتألف الوفد المكي من مفتي الشافعية محمد بابصيل، ومفتي الأحناف عبدالله بن صديق، ومن العلماء الشيخ صالح كمال، والشيخ محمد خياط، وأعيان مكة عبدالقادر قطب، وتوجه الوفد إلى اليمن في منتصف 1325هـ، وكان موفقا في مهمته.
ومما يجب التوقف عنده في مثل هذا الحدث أن ترشيح مثل هذه المجموعة من العلماء المكيين في مثل تلك الفترة، لمثل هذه المهمة وقيامهم بها، يعطي دليلا قويا على مقدار الاحترام الذي كان يتمتع به العلماء المكيون من قبل الحكام والسلاطين المسلمين، فلم يقتصر دورهم على الإرشاد والتوجيه بل كان لهم دور بارز في كثير من القضايا السياسية التي تهم العالم الإسلامي والأطراف المتنازعة فيه، كما أن طلب السلطان عبدالحميد مثل هذا الأمر من العلماء المكيين يعطي انطباعا قويا عن مقدار الثقة التي يكنها خليفة المسلمين لهم.
وعرف عن بابصيل إضافة إلى قدراته العلمية، والزهد والبعد عن المظاهر، ومشاركته للناس أفراحهم وأتراحهم، نظمه الشعر في بعض المناسبات ومن ذلك قوله في التهنئة مضمنا ذلك وصف أريكة العرس والتي نعرفها اليوم باسم الكوشة:
وأريكة حسن الخصال أمامها
تتلألأ الأنوار تحت خبائها
قد أخجلت ضوء الكواكب كلها
وشذا الخزاما فائح بحمائها
ومحلها بلد الخليل وشرفت
بمحمد نال الهنى بلقائها
وتكملت بصلاة أحمد أرخت
من عارف خير زهى بأدائها
وحسب طريقة حساب الجمل واستخراج التاريخ من النص يكون الزواج سنة 1279هـ، وذلك ما تضمنه البيت الأخير، ومما يروى عنه أنه عندما طلب الشريف عون الرفيق تدريب بعض الأهالي على الرماية وبعض الأعمال العسكرية في 1294هـ، تحسبا لأي هجوم من قبل القوات الإنجليزية التي ساءت علاقتها بالدولة العثمانية في تلك الفترة، كان بابصيل يخرج مع بعض طلبة العلم لحضور هذه التدريبات في الساحة الواقعة أمام قصر الشريف.
وقد انتقل إلى رحمة الله تعالى في 1330هـ، وشيعت جنازته بجموع حافلة، ودفن بمقابر المعلاة.
makkawi@makkahnp.com

بابصيل مفتي الشافعية وإمام مقامها بالحرم المكي (1-2)
أسرة بابصيل.. تاريخ في العلم والفقه والسياسة (2-2)