زيد الفضيل

كيف تكون الثقافة قوة ناعمة؟

الاحد - 02 أبريل 2023

Sun - 02 Apr 2023

رجوت في مقالي السابق «أدونيس وعام الشعر العربي» أن تهتم المؤسسات الثقافية بتسليط الضوء على أبرز شعراء العرب قبل الإسلام، وتعطي تعريفا شاملا بشعراء المعلقات، أولئك الذين تم تمجيد قصائدهم بأن علقها سادة مكة في جوف الكعبة المقدسة، التي يحج إليها العرب، ويطوف حولها المتبتلون، وكأني بهم قد أضفوا هالة من القداسة عليها، وهو فخر ليس بعده فخر، وتشريف ليس مثله تشريف، أليس هؤلاء جديرون بأن يتم تسليط الضوء عليهم في هذا العام؟

كذلك الحال مع نبلاء شعراء الصعاليك، أولئك الذين نذروا أنفسهم لخدمة الضعفاء ورفع الظلم عنهم وذلك قبل أن يظهر مثيلهم الأوروبي روبن هود بمئات السنين، وللأسف فعديد من أجيالنا المعاصرة تعرف النموذج الإنجليزي الحديث ولا تعرف النموذج العربي الأقدم، ولعمري فذاك خلل في وعينا الثقافي يجب معالجته بشكل متين، وعبر برامج مكثفة تعرف النشء بماضيهم، وتربط الخلف بالسلف.

على أن قطيعة الجيل المعاصر لا تقتصر على الماضي البعيد، بل تمتد لتصل بجهلها الماحق إلى الماضي القريب، فلو عمل أحدنا استفتاء عشوائيا عن مدى معرفة الجيل المعاصر برموز جيل المثقفين الرواد في المملكة العربية السعودية، سيجد صعوبة بالغة في معرفتهم بمفهوم جيل الرواد أولا، فضلا عن معرفة شخوصهم كمحمد حسن عواد، ومحمد علي مغربي، ومحمد حسين زيدان، وعبد الوهاب آشي، وعزيز ضياء، وحمزة شحاتة، وأحمد قنديل، ومحمود عارف، وطاهر زمخشري، وأحمد السباعي، ومحمد سعيد العامودي، وغيرهم، مرورا بحسين سرحان، وحسن القرشي، ومحمد حسن فقي، وحمد الجاسر، وعبد الله بن خميس، وعبد الله بن إدريس، وعبدالكريم الجهيمان، وعبدالله الشباط، وغيرهم، وصولا إلى عبدالفتاح أبو مدين الذي رأس النادي الأدبي الثقافي في جدة حتى مطلع الألفية الجديدة، وعبدالله مناع وآخرين معاصرين، والقائمة تترى وتزخر بأسماء شخصيات مثقفة أسهمت في إثراء المشهد الثقافي شعرا ونثرا، وفي مختلف فنون المعرفة ومجالات الفكر، وللأسف فكثير من شبابنا اليوم غير عارفين بهم، ولا يدركون حجم ما قدموه من معرفة مهمة دفع بعضهم مقابلها أثمانا كبيرة من وقته وصحته وحياته المهنية والأسرية. أمام هذا المشهد السريالي يخطر في بالي سؤال وجودي مهم وهو: كيف تكون الثقافة قوة ناعمة في ظل هذه القطيعة؟

الثقافة هي القوة الناعمة التي من خلالها تستطيع الدول أن تفرض وجودها بين الأمم والشعوب، ولذلك أصبح من الطبيعي أن تسعى الحكومات إلى تمتين مشهدها الثقافي بأي صورة وأي شكل، حتى لو لم يكن أصيلا، وبالتالي فحري بمن يملك بعدا حضاريا يمتد إلى قرون بعيدة، وينتمي لحالة ثقافية أصيلة في عمق الزمن، ومكتنزة بشخوصها المبدعة، أن يعلي من شأن ما يمتلكه، ويعزز انتماءه له سلوكا وواقعا، عبر عديد من البرامج التي تهدف إلى خلق شخصية عارفة، واعية، متمكنة، وهو ما تسعى له الأمم المتقدمة من خلال اهتمامها بموروثها الحضاري، وربط حاضرها بماضيها على مختلف الأصعدة، والاحتفاء بذلك بشتى السبل.

أؤمن بأننا نملك مخزونا ثريا من المنتج الثقافي، وكنزا حضاريا ممتدا إلى أعماق سحيقة من التاريخ البشري، يمكن تلمسها في نقوش ورسومات واحة حمى التاريخية، وقرية الفاو الأثرية، وكثير من اللقى العتيقة في شتى أنحاء المملكة، ناهيك عن النقوش الثمودية والرسومات الصخرية العائدة بعمرها إلى مئات السنين قبل الميلاد؛ ولا غرابة في ذلك، فقدر الجزيرة العربية أن تكون واسطة العقد بين عديد من الحضارات شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، ومعبر اتصال رئيسي بين حضارة وادي الرافدين وما جاورها ووادي النيل وما تلاها. والسؤال: كيف نعكس هذا الموروث الزاخر في ثقافتنا المعاصرة؟

وما السبيل الأمثل لربط أجيالنا المعاصرة بهذه القيمة الثمينة؟ ليدركوا أننا لسنا مجتمعا منبتا، وننطلق من تكوين ثقافي أصيل، عريق في محتواه الحضاري.

حتما نحتاج إلى خارطة طريق متكاملة ثقافيا وإعلاميا تهدف لبلوغ ذلك وتكون متوافقة مع أهداف الرؤيا الطموحة وتطلع أميرها يحفظه الله، الذي يطمح لأن تقود المملكة الشرق الأوسط، وتكون قوة بارزة على الصعيد العالمي، وحتما لن يكون ذلك بإعلام هزيل ومحتوى ثقافي ضعيف، ولذلك فما أحوجنا إلى مراجعة محتوى ما يقدم برامجيا، مع تعزيز النماذج الجيدة وتقويم الهزيلة التافهة شكلا ومضمونا.

ما أحوجنا إلى خطاب ثقافي متين يعكس واقع المملكة العربية السعودية المعرفي، ويعبر عن حالة التراكم الثقافي الأصيل. خطاب يشمل كل ملامح الثقافة المقروءة والمرئية والمسموعة، يتوازى في مدخلاته ومخرجاته مع الغاية الكبرى لرؤية 2030 التي تهدف لأن تجعل المملكة في قمة دول العالم، والثقافة كقوة ناعمة هي أحد أهم الرافعات لهذه الرؤيا، فهل إلى ذلك سبيل؟