شاهر النهاري

رحيل مفتي الجماعة

الأربعاء - 28 سبتمبر 2022

Wed - 28 Sep 2022

لم يكن موتا مفاجئا فقد بلغ من العمر عتيا، ما يقرب من قرن من الزمان، كان في آخر سنواته يرتعش على المنابر وهو يصوع من يرونه حلما لخلافتهم، وكم يحقد عليه شعوب «طفحوا الكوتة» من سماعه.

صحب بدايات الجماعة منذ شبابه، والتي صنعت من مقاصد الدين مركبة متعددة الأغراض يركبونها، ويسابقون بها فوق شوارع السياسة المنزلقة، والمحتوية على الكثير من المطبات والحفر والمتاهات، وكم من حواجز في ممراتها، والوسائل قبيحة، والموت يحدث، ولكن الجماعة خير من يُنظر ويخطط ويحتال، ويتوافق حتى مع الشيطان من أجل كراسي السلطة، وبالتقية تضمر نوايا الغدر، والناس لها حطب.

شعوب صدقت، وأيدت بالروح والدم، لتشرب من سمومها وغدرها وخيانات بدأت بطرد فاروق، وكادت تأتي على عبدالناصر، وتمكنت من قطف روح السادات، وحدث ولا حرج مع مبارك، ومع اختطاف ثورة شباب مصر. نصبت مرسي، ثم عادت للتضحية بالفرد من أجل الجماعة، وهادنت السيسي، قبل أن تُجتث جذورهم من مصر، فيتناثروا شرار وخراب على من وضع يده بيدهم، وخسائر وجهود وحرب على كل من عارضهم، ومنعهم، وشملهم بقوانين الإرهاب.

التاريخ امتلأ بعجب ما يفعلون، ويمكرون، وما يتلبسون، لإقناع الشعوب البائسة، بالإيمان بهم والخضوع، مستخدمين الدين، وقسمة الأرض لديار كفر وهجرة.

لقد حولوا المهاجرين في دول الغرب إلى أسلحة نحر ودهس وتفجير، وحفزوهم بوهم القدرة على احتلال عواصم العالم، وإخضاعها لمفاهيمهم وقوانينهم، العاجزة عن صنع حياة مستقرة للشعوب التي صدقتهم، فمات منهم الملايين غيلة، وهاجر الملايين ذلا يتجرعونه في ملاجئ العالم.

المفتي كان مؤثرا طوال حياته، وكان يتبوأ أعظم المراكز القيادية للجماعة، ويسكن القصور، ويكنز الثراء والرفاهية، ويظل هاربا، والعقل المعتدل يعجز عن هضم، فتاويه، تسخر الخلق باسم الخالق، وتذبح الفرد، من أجل أهداف الجماعة، والتي لا ذمة ولا يقين ولا رحمة ولا أمانة لها.

تناقض عجيب، فيفتي المساكين بالامتناع عن حفظ أموالهم في البنوك، وهو عضو رئيس في معظم بنوك الربا.

ويفتي المغتربين بعدم جواز شراء البيوت في دول الكفر، فيفقد من سمعوه بيوتهم، ويظلون مستأجرين بتحويشة أعمارهم.

أفتى بفرض الجهاد وجواز قتل القذافي على يد الناتو، وشرع مقاتلة بشار مع صفوف النصرة وداعش، فتبع فتواه الألوف من المتعاطفين من أطراف الأرض، وراح ضحيته ملايين السوريين.

أفتى بجواز تفجير الذات، من أجل الجماعة، وكم من مخبول صدقه، ونفذ، وكم من متردد، ومتحين للفرصة يسعى للهلاك ولو في معبد.

أفتى المصريين بحلال الاقتتال في الحروب الأهلية، وقتل جنود مصر، واقتنع بشروره الكثير من التابعين المغسولة أدمغتهم. أفتى بمقاطعة الحج.

أي رحمة تجوز على المفتي؟ والذي وإن طال عمره لم يكن إلا على الشر والدماء والخراب، وبصورة معاكسة لما عاشه في أواخر عمره، من رغد؟

وأي موت له، وقد بذر في جوانب الأرض فتاويه وشروره، وطلبته ومريديه، ممن لا شك سيسعون حثيثا للانضمام إلى الجماعة الإرهابية، وإلى المراكز التابعة لها في الدعاية والإعلام والتدريس والتحريض، والتغيير، وتسيير «الغلابه» على طريق الوهم، والنزوغ للغيب ومعاداة من يعارض الجماعة، فأورثهم مفارقات عقلية نفسية تشتتهم بين حلم استقرار حياتهم وسعادة أبنائهم وتنمية وسلام أوطانهم، وبين عكسها مما كان يفتي به ويحرق الضمائر والنفوس والأرض.

[email protected]