عبدالله قاسم العنزي

الحماية الجنائية للطفل من العنف الأسري

الاحد - 25 سبتمبر 2022

Sun - 25 Sep 2022

تعتبر الأسرة النواة الأولى لتماسك المجتمع، وهي المحرك الأساسي لنشاطه بما يدفعه إلى النمو والازدهار، لذلك ركزت مختلف التشريعات قديما وحديثا على الاهتمام بشؤون الأسرة بما يدعم استقرارها وتماسك بنيانها.

ومن حيث الشريعة الإسلامية فقد خصت كيان الأسرة بوافر العناية فجعلت أساس العلاقة فيها ميثاقا غليظا وإحاطته بجملة من الأحكام تدعم الحقوق المتبادلة وتحافظ على استمرارها واستقرارها.

وعلى ذلك لما كانت الأسرة هي المحضن الأول لحياة الطفل ونقصد بالطفل هو كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره كما عرفته المادة الـ1 من نظام حماية الطفل، حيث ينشأ ويتلقى القيم والتربية الأولية قبل أن تدخل مؤسسات أخرى تشارك في عملية تربيته كالمدرسة والمسجد، ونظرا للتحولات التي يشهدها المجتمع على مختلف الأصعدة والتي تؤثر سلبا على الأسرة ونتج عنها بعض الظواهر التي تعيقها عن أداء وظائفها نحو أفرادها وخاصة الأطفال ومنها ظاهرة العنف الأسري التي ظهرت بشكل ملفت للانتباه داخل الأسرة وأثرت سلبا على استقرار أفرادها وتنشئتهم وخاصة الأطفال منهم باعتبارهم الفئة الأضعف في الأسرة، ونقصد بالعنف الأسري «أي تصرف مقصود يلحق الأذى أو الضرر المادي أو المعنوي بأحد أفراد الأسرة ويكون صادر من عضو آخر في نفس الأسرة» ولهذا السلوك صور كثيرة ومتعددة يمكن إجمالها في ثلاثة صور على النحو التالي:أولا: العنف الجسدي، حيث ينتشر العنف الأسري ضد الطفل نتيجة الثقافة التقليدية والخاطئة لدى الآباء حول أساليب التربية والعقاب، كذلك يعكس إيمان بعض الآباء باستعمال العنف كوسيلة لفرض السيطرة والقوة لتقويم السلوك وهذا دليل على عجز الآباء على إيجاد بدائل أخرى فعالة لاستخدام القوة داخل الأسرة لفرض سيطرتهم عليها وفرض القيم والمبادئ، كما أن استعمال العنف من طرف الآباء ضد الأطفال يرجع للتوتر العاطفي الذي يعاني منه بعض الآباء بسبب عدم قدرتهم على تلبية حاجيات أبنائهم الاجتماعية.

ثانيا: العنف النفسي، ويقصد منه كل إيذاء لمشاعر الطفل سواءا كان شتما أو سبا أو كلام جارح من شأنه الانتقاص من قدر الطفل والمساس بشخصه، كما يدخل ضمن العنف النفسي طرد الطفل من البيت أو حبسه فيه، ومثل هذا التصرف له آثار سلبية على نفسية الطفل لا تقل أهمية عما يخلفه العنف الجسدي عليه لأنه يؤثر على توازنه النفسي ويورث المخاوف للطفل فيصبح انطوائيا مهزوز الثقة في نفسه.

ثالثا: العنف الجنسي، والذي يعتبر من أخطر حالات العنف التي يتعرض لها الطفل في حياته خاصة إذا ما كان المعنف تربطه قربى بالطفل أو له سلطة أو وصاية عليه، ويتجرع الطفل بسبب العنف الجنسي المعاناة والآلام النفسية والاضطرابات الانفعالية التي يمكن أن تصاحبه مدى الحياة.

إن للعنف الأسري دوافع وأسبابا عديدة من بينها اضطراب البيئة الأسرية بكثرة الخلافات الزوجية وتعاطي المسكرات وإدمان المخدرات فقد أثبت بعض الدراسات أن هناك ارتباطا وثيقا بين الإدمان والعنف الأسري، كما يمكن أن يكون العنف نتيجة لأسباب اقتصادية كالفقر والبطالة أو نتيجة لأسباب أخرى اجتماعية كضعف القيم التي تحض على الرحمة واحترام الغير.

إن ضعف البنية الجسدية للأطفال تجعل منهم أكثر الفئات المعرضة للعنف داخل الأسرة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر؛ فالطفل يمكن أن يتعرض بصورة مباشرة لاعتداء أحد أفراد الأسرة الأمر الذي يسبب له الضرر الجسدي والنفسي، كما قد يتعرض للعنف الأسري بشكل غير مباشر من خلال مشاهدته للعنف الواقع من أحد أفراد الأسرة على فرد آخر من نفس الأسرة وبشكل خاص العنف الذي يقع على الأم.

ختاما.. لقد جرم المنظم السعودي أعمال العنف العمدية الواقعة على القاصر الذي لم يتجاوز الثمانية عشرة من عمره بغض النظر عن صفة الجاني، وجعل النيابة العامة الجهة التي تتولى التحقيق في الجرائم الواقعة على الأطفال، وقد نصت المادة الـ6 من نظام حماية الطفل على أنه للطفل الحق في الحماية من كل أشكال الإيذاء أو الإهمال، وهذه الحماية الجنائية للطفل تعد من التدابير الوقائية التي تسعى لحماية الطفل من أي شكل من أشكال العنف.

[email protected]