X
خليل الشريف

ماذا يعني أن تصبح مديرا؟

الاحد - 26 يونيو 2022

Sun - 26 Jun 2022

يصنع المدير الجديد لنفسه شخصية مغايرة مع بدء تكليفه بإدارة مجموعة من الناس، فهو يرى نفسه مجبرا على ألا يكون شخصا عاديا أمام الآخرين، وأن عليه أن يكون أكثر انسجاما مع منصب مدير!

وفي هذه الحالة فإنه يضطر لأن يكون شخصا آخر ذا نمط جديد حتى على نفسه، ويمارس حالة أشبه ما تكون للتمثيل، لتقمص الدور الذي يحفظ له مكانته الاعتبارية الجديدة أمام مجموعة العمل. حسنا! إن هذا خطأ كبير، وهو خطأ شائع بدرجة مذهلة، فالمدراء في ميادين العمل يعملون دون وعي لعزل ذواتهم الحقيقية عن بيئة العمل، وهم يحدثون بذلك العديد من العوائق التي لا معنى لها فيما لو كانوا يمارسون دورهم القيادي بشخصياتهم الطبيعية.

إن هذا يستوجب أن يعي كل مدير حديثا كان أو قديما أنه ليس هناك من معنى جوهري بأن تكون مديرا، إنه أمر لا يعدو كونه شعورا فطريا لحب الرئاسة، إن الأمر لا يحتاج إلى قناع زائف يشغل ذهن المدير عن دوره الجوهري في قيادة العمل. وبالتالي يقودنا ذلك إلى التعرف عن كثب لحقيقة التأثير المتبادل بين الشخص كإنسان مجرد من أي لقب وبين الموقع الوظيفي كموقف، هل يمكن أن يتحول شخص ما إلى شخصية جديدة تسلطية أو ودودة أو متذمرة أو متعالية بمجرد تولي منصب قيادي؟

إن هذا ملاحظ كثيرا في ميادين العمل والأمر يتعدى حدود التكلف البسيط إلى تغير محوري في السلوك وفي النظرة للموقف الإداري بكامله، إذ يؤول ذلك إلى أشكال من الصراع الإداري والتنظيمي ناتجة عن ابتعاد الوعي والمخيلة الإدارية عن حقيقة الواقع الراهن، ومع مرور الوقت تتحول طبيعة المدير الجديد إلى طبيعة غريبة حتى على نفسه، ويجد نفسه منخرطا في صراعات جانبية ليس لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بأهداف المؤسسة التي يقوم بإدارتها.

في هذا الصدد يذكر (جير وارنر) في كتابه «مكان العمل الخالي من الدراما» أن أكثر ما يتأثر به المدير الجديد هو ما احتواه عقله الباطن من سلوك رؤسائه السابقين طيلة فترة خبرته في العمل، وأن كثيرا من سلوكيات المدير تخضع لصور نمطية سلبية كانت أو إيجابية تلقفها موقع الذكريات في الذهن اللاواعي، مما يجعل المدير يتصرف بإملاء داخلي لأشخاص آخرون وتلك أكبر نقطة ضعف تشكل السلوك الإداري المضطرب للمدير الجديد.

إن ما ذكره (وارنر) في ظني جزء من لوحة كاملة للموقف الإداري، حيث يشير خبراء علم النفس أن انتقال الشخص من موقع المرؤوس إلى موقع الرئيس يحدث هزة نفسية بشكل أو بآخر لدى الشخص وتتداعى لأجلها كثير من الخواطر والعواطف والذكريات؛ فربما كلمة أو معنى أو مفهوم أو مبدأ تلقفه المدير الجديد في مكان ما وتحت تأثير موقف ما؛ يشكل توجيه قسري للقرارات التي سيتخذها حيال المؤسسة أو حيال المرؤوسين.

وليس أسوأ من تلك الثقافة السلبية التي تدور بين المديرين في جلساتهم العامة إذ ينحو سلوكهم في غالب الأحيان للاعتداد بمواقفهم الإدارية والقيادية، والمفاخرة بأساليبهم في إدارة المواقف المختلفة، وبذل النصائح للمديرين الجدد وفق نظرة تتسم بأنهم يملكون الحقيقة والجدارة الكاملة فيما يقومون به في حين أن مؤسساتهم وإداراتهم تحقق فشلا ملاحظا يناضلون من أجل عدم الاقتناع والاعتراف به!

إن الذي تؤكده الدراسات الحديثة في علم الإدارة أن السمات الشخصية لها ذلك الأثر الملاحظ في العملية القيادية غير أنها ليست الأولوية حين تسنم منصب ما لمدير جديد، وإذا تحول المدير إلى شخص نهم للمزيد من الصلاحيات التي لا يحتاجها إنما يسعى من خلالها لمزيد من السيطرة والانتشاء النفسي ولمزيد من النفوذ لتغذية احتياج ذاتي تتحول حينها اللعبة الإدارية برمتها إلى لعبة ساذجة وصراع ودراما إدارية تأخذ الرئيس والمرؤوس إلى مزيد من التخبط والضياع!

لذلك تكمن الحكمة الإدارية السليمة بأن تكون أولى أولويات المدير الجديد ليس الأثاث المكتبي الفاخر، ولا الأناقة المبالغ فيها، ولا اجترار العبارات الدبلوماسية الممجوجة، ولا فتح أبواب الصراع على السلطة، وإنما بالتركيز على أهداف المؤسسة التي يديرها، ودراسة مواضع قوتها ومكامن ضعفها، والبدء الفوري بمعالجة الأمور التي تستلزم المعالجة والتدخل السريع، وإيجاد بيئة إدارية واجتماعية محفزة للعمل، ومن ثم وضع خطة عمل للتطوير وليس خطة عمل للتشغيل.

إذ إن المدير في المفهوم الحديث إذا لم يضع بصمته في تطوير المؤسسة التي يديرها، وإلا هو في حقيقة الأمر مجرد شخص مسير للأعمال لن يتغير شيء في المؤسسة في حال وجوده أو رحيله.