X
مرزوق بن تنباك

حمد الحجي في العيادات الطبية

الثلاثاء - 30 نوفمبر 2021

Tue - 30 Nov 2021

مهما قيل في الأدب والفكر والثقافة، ومهما قيل في العلوم الإنسانية فهناك ما يمكن أن يقال، وهناك ما يمكن أن يكون جديدا، وقد يضيف المتأخر إضافة تعد أهم مما سبق من مقالات ودراسات ومعلومات، والشاعر المرحوم حمد الحجي نال من اهتمام الأدباء والشعراء والناس ما لم ينله شخص غيره من جيله ومن كل الأجيال التي جاءت بعده.

كان نبوغه المبكر في منطقة تكاد تخلو من الشعراء الشباب المبدعين الذين يوازونه في الإبداع والنبوغ هو سبب الاهتمام به، حيث جاء نبوغه في الشعر مع طلائع التعليم في نجد وبوادر النهضة الثقافية في المملكة، ومثلما عجل في النبوغ الشعري عجلت مأساته فانقلب الإعجاب بشعره ونبوغه إلى تعاطف معه ورحمة به.







ما أظنه كتب عن أي شخصية أدبية مثلما كتب عن حمد الحجي من دراسات ومؤلفات وعشرات المقابلات الصحفية معه ومع من زامله وعرفه ومع أهله وأقربائه وأقرانه، قيل كل شيء عنه حتى أنه لم يعد ما يمكن أن يضاف، لكن يبدو أن مأساة الشاعر الحجي ولادة، فما فرغ الأدباء من قضية حمد الحجي نظريا حتى جاء دور الأطباء الذين لم يتوفروا له في حياته فلم يعدم توصيف مرضه بعد مماته.

في كتاب صدر حديثا قربت صفحاته 300 تصدى لحالة الحجي المرضية طبيبان ماهران جمعا بين مهنة الطب وذائقة الأدب، أحدهما طبيب فسيولوجي والآخر طبيب في الطب النفسي، الأول الدكتور منصور الجابري الاستشاري في أمراض الدم، والثاني الدكتور الاستشاري في الأمراض النفسية شليويح العنزي.

قرأت للدكتور منصور دراسات تصف بعض أسباب وفاة المشاهير من العهد الإسلامي حتى اليوم، كتب عن مرض النبي -صلى الله عليه وسلم- وأعطى وصفة طبية قد لا تكون بعدت عما حدث، وكتب عن مرض أبي لهب وعامر بن الطفيل وابن الرومي والمخبل السعدي وحمى المتنبي وغيرهم في غير هذا الكتاب، كان أسلوب الدكتور منصور أسلوبا أدبيا رائعا قل أن يحسنه كثير من الأدباء فيما يكتبون، قرأت له وشدني الأسلوب السهل الممتنع الذي يعالج به طبيب معاصر تفاصيل الأمراض والعلل الجسدية المزمنة وكأن مرضاه الذين سبقوه بأكثر من ألف عام بين يديه في عيادته في كلية الطب بجامعة الملك سعود، حيث يعمل اليوم.

أما الدكتور شليويح العنزي فلا يبعد كثيرا عن قدرة ومهارة زميله في الأسلوب والوصف الذي أفاض فيه عن حالة حمد الحجي النفسية، حيث تخصصه في علم النفس. وضع الطبيبان صورة بانورامية للتقلبات العاطفية والنفسية وغيرها التي عاشها الحجي على مدى 50 عاما قضاها في الحياة.

صدر الكتاب بعنوان (قصة حمد الحجي قراءة طبية جديدة)، وهذا هو الجديد في الكتاب القراءة التي لم يقرأها كل من سبقهم ممن كتب عن مأساة الحجي في مرضه الطويل، الدكتور منصور استشاري أمراض الدم والدكتور شليويح استشاري أمراض نفسية في كلية الطب في جامعة الملك سعود وتعاونهما وضع خارطة واضحة لمعالم شخصية المريض الفسيولوجية والسيكولوجية وعنوانها مطابق لمحتواها فهي بحق قراءة جديدة وإضافة متميزة لمرض عضوي ونفسي لا زال كثير من الناس ينسبونه لغير أسبابه، ويعالجونه بغير علاجه.

ولقد أحسن المؤلفان حين عرضا كثيرا من أنواع الأمراض العقلية والنفسية والعصبية وبينا ما بين هذه الأمراض من تعالق وتفاوت، وهي كثيرة يشابه بعضها بعضا عند غير المتخصصين، وبينا علاج كل منها، مما جعل الكتاب يعد تثقيفا عاما يحسن أن يطلع عليه المتخصصون وغيرهم خصوصا أولئك الذين لا زالوا ينسبون ما يرون من أعراض الأمراض العصبية والنفسية إلى الأرواح الشريرة وعامل السحر والشعوذة، ويأكلون بذلك أموال الناس بالباطل.

المؤلفان الكريمان كان تحليلهما لحالة المريض استقراء لشعره وما فاضت به قريحته استقراء جميلا كشف عن موهبة معرفية بخوالج النفس البشرية، وقدرة جيدة بذائقة الشعر وبلاغته والاستفادة منه وما يفيض به لسان الإنسان معبرا عن عقله وحالته الصحية والنفسية.

وليتهما يتكرمان ويقرآن بعض شعر شعرائنا وأدبائنا المعاصرين كما قرآ شعر الحجي واستنبطا منه علته، فقد يكشفان أمراضا مستعصية وعللا كثيرة يعاني منها بعض الشعراء والأدباء المعاصرين وهم يظنون أنهم عقلاء وأصحاء، فلعل وعسى.

Mtenback@