X
محمد الأحمدي

عودة التعليم الحضوري ضرورة للمرحلة الابتدائية

الثلاثاء - 21 سبتمبر 2021

Tue - 21 Sep 2021

خيمت جائحة كوفيد 19 بظلالها على مناشط الحياة، وشلت عصب الحراك الاجتماعي على وجه الخصوص، وساهمت في أكبر توقف للحركة التعليمية في العالم على جميع المستويات، من مرحلة التعلم ما قبل الابتدائي إلى المرحلة الجامعية. وتشير الإحصاءات إلى أن ما يزيد عن مليار ونصف متعلم في حوالي 161 دولة توقفوا عن التعليم؛ يمثل ما يقارب 9 ملايين ومئتي طالب وطالبة من مرحلة ما قبل الابتدائي حتى التعليم الثانوي في خمس دول عربية كالسعودية، والكويت، والإمارات، وقطر، والبحرين.

وعلى الرغم من قسوة هذه الجائحة على طبقات المجتمع المختلفة إلا أن المجتمع السعودي شعر بالتزام الدولة بمبدأ تكافؤ الفرص التعليمية، وبمبدأ أحقية التعليم لجميع المتعلمين فيها الذي تمثل في تقديم التعلم الطارئ عن بعد من ناحية، ومن ناحية أخرى، في توفير الدولة لمستلزمات التعلم الطارئ عن بعد للطلبة سواء عبر المؤسسات التعليمية أو الخيرية لمستحقي الدعم المالي. لا شك اليوم بأن الدولة نجحت في المحافظة على هذا الهدف النبيل الذي ساهم في صنع صورة ذهنية إيجابية لدى المتعلم، وولي الأمر، والمعلم. وانعكست هذه الصورة الذهنية في أدوار المجتمع السعودي ومؤسساته أثناء الجائحة سواء من خلال مناشط التطوع، أو مساهمات الطلاب وأولياء أمورهم في الالتزام والاستمرار والتفاعل في عملية التعلم عن بعد.







ومن أجل معرفة تأثير الجائحة على الجوانب التربوية على المتعلمين في الواقع الاجتماعي نأخذها من وجهات نظر متعددة في فلسفات ونظريات علم الاجتماع التربوي حول تكوين المعنى والثقافة واللغة والصورة الذهنية. فمن هذه النظريات ما يركز على الفرد كعنصر يعيش في جماعة مؤثرا ومتأثرا بها، ليصبح سلوكه وأفعاله عدسة مقربة لفهم ورؤية المجتمع الكلي ورؤية التحولات التي طرأت عليه في الواقع الاجتماعي العام، وهذه العلاقة تأثرت بالعزل والحجر المصاحب للجائحة. بينما يرى منظور آخر في نظرية التفاعل الرمزي فإنها تؤمن بحقيقة حدوث الفعل، وتقدير دور الآخر في هذا التفاعل الذي يشكل النسق الاجتماعي في نهاية المطاف، وهذا حدث أثناء التعلم الطارئ عن بعد ممثلا في إدراك ولي الأمر والطالب أن العلاقة مع المعلم هي علاقة ضرورية لا مجال للنقاش حولها؛ ولذا تفاعلوا مع التعلم عن بعد دون التفكير في النتيجة النهائية لنجاح العملية أو فشلها؛ حيث إن أولياء الأمور والطلبة ومنسوبي المؤسسات التعليمية تعاملوا مع التدريس الطارئ عن بعد بناء على ما يعنيه التعليم في الواقع بالنسبة لهم دون النظر في الوسيلة التي يقدم بها. وأدركوا بأن هذا المعنى سواء للمعلم أو المتعلم أو ولي الأمر قابل للتغيير والتعديل عند تغيير الظرف الطارئ. وهذا جزء مما يجعل أطياف المجتمع السعودي مستمرة بجدية في التفاعل مع التعلم الطارئ عن بعد، وإدراكهم بأن أسمى مهمة للعملية التربوية أن ينشأ المجتمع تنشئة اجتماعية مناسبة لتطلعات المستقبل، ومرتبطة ارتباطا وثيقا بالبناء الاجتماعي الاقتصادي والسياسي له.

لكن بأي حال من الأحوال يبقى التعليم الحضوري ذا أهمية في بناء قيم الطفل، واتجاهاته، وقدراته التحصيلية، ومهاراته اللغوية. وهذا يعود إلى أهمية إطار الجماعة التي تجعل المدرسة الحضورية المكان الأكثر مناسبة لتشكيل تلك القدرات، والقيم لدى الناشئة؛ حيث إن مهمتها ليست مقتصرة على دور إيصال المحتوى، وتقييمه؛ بل تتجاوز ذلك إلى بناء شخصية المتعلم من خلال التفاعل الاجتماعي، والمواقف الحياتية اليومية، والعيش والتعايش في ومع المجموعة، واكتساب المهارات التعاونية والقيادية، واتباع التعليمات والقوانين، وإلى آخره، مما تشكل في مجموعها مع المهمة التعليمية الرئيسة في بناء شخصية الطفل المتعلم، ليكون لبنة متفقة مع قيم المجتمع وتطلعاته. وهذه المهام قد تأثر الكثير منها بسبب توقف التعليم الحضوري حينما اقتصر دور التعلم على التفاعل الافتراضي القائم على التفاعل اللفظي مع الطفل في المراحل المبكرة من مراحل التعليم.

لا شك في أن عودة الطلاب إلى المدرسة حضوريا تساهم في تنمية قدراتهم المختلفة كالنمو الجسدي والعقلي، وتنمية الحواس، والقدرة على التعبير اللغوي، والتفاعل المجتمعي مع أقرانهم، وفهم وتصنيف علاقات الأشياء، وإجراء المقارنات المنطقية التي تنمي قدراتهم العقلية والمعرفية، وزيادة الشعور بالمسؤولية الذاتية، والاستقلالية التي تنمي تقديرهم الذاتي، وتزداد الحاجة لتشكيل هذه القدرات في المراحل المبكرة من التعليم الابتدائي؛ مما يحتم عودة التعليم الحضوري للأطفال في المرحلة الابتدائية وما قبلها أكثر من غيرهم.

ومن جانب لا يقل أهمية عن هذا الجانب البنائي في قدرات الطفل، يدعم اتخاذ قرار عودة التعليم الابتدائي، هو أن مع عودة بصيص الأمل للحياة الطبيعية بدأت رحلة العودة الحضورية للموظفين تدب في معظم القطاعات الحكومية والخاصة بمن فيهم المعلمون والمعلمات، وبهذا يصبح تعليم أطفال المرحلة الابتدائية عبئا إضافيا على ولي الأمر العامل، مما يقلل من كفاءة التعاون بين المدرسة والمنزل، وزيادة الفاقد التعليمي للتعليم الابتدائي. وبهذا فإني أجد أن عودة التعليم للصفوف الأولية أكثر نفعية للمتعلم والمعلم وولي الأمر، وأثبت للصورة الذهنية الإيجابية للمجتمع.

alahmadim2010@