X
مرزوق بن تنباك

التلوث اللغوي

الثلاثاء - 21 سبتمبر 2021

Tue - 21 Sep 2021

تسعى أمانات المدن وبلدياتها بتجميل المظاهر العامة للمرافق التي يرتادها الناس كواجهات الأسواق وواجهات المعارض والدكاكين والأرصفة والطرق السالكة، وتحرص أن يوضع عليها ما ينسجم مع الذائقة البصرية ويريح النظر وتزيل المناظر غير المناسبة والمجسمات وتسمي ذلك الذي لا تريد أن يراه الناس التشوه البصري أو التلوث البصري.واهتمام البلديات مشكورة على تحسين وجمال الرؤية البصرية، وعدم وضع ما يسيء إلى الذائقة الشعبية أمر محبب، وهو الواجب الذي يجب أن تقوم به، وتلزم المستفيدين بألا يعملوا ما يشوه أحاسيس الناس وذائقتهم من الأشياء التي ينظرون إليها، ومحاولة تجميلها حتى تكون المناظر العامة مقبولة لدى الناظرين ومريحة للأعين بجمالها مراعية لشعور العامة والخاصة ومحاولة إرضائهم وجلب السعادة إلى أبصارهم وعقولهم.

وهو أمر تشكر عليه وعلى القيام به، وقد رأى الناس أثر عملهم في الشوارع والأرصفة والميادين العامة التي يرتادها سكان المدن ويمدون النظر في كل الاتجاهات بلا عوائق وبلا تلوث وتشويه بصري بل أصبحت مناظر الشوارع والأسواق مريحة إذا قيست بما كانت عليه قبل سنوات، ولكن يظهر أن التركيز الكبير كان على الأشياء المحسوسة والمجسمة ذات الطابع المادي، أما الذائقة الثقافية واللغوية فحظها من اهتمام البلديات قليل إن لم يكن معدوما.







وأكبر تشوه وتلوث للذائقة النظرية والسمعية هو ما تعانيه مدن المملكة وقراها وما ترفعه الأسواق والبقالات والمقاهي والمطاعم والمرافق العامة من تشويه مؤذ للغة المعبرة عن هوية المجتمع وتجاهل لسلامتها ودلالتها، حيث أصبحت هذه المرافق تحمل أسماء ليست من أسمائنا ولا تنتمي لبيئتنا ولا تعبر عن لغة المجتمع وتفرض ذوقها الخاص على السائرين والناظرين إلى تلك الأسماء الأجنبية مما حول تلك المرافق العامة إلى ضرب من الازدواجية الثقافية بين اللغتين العربية واللغات الأجنبية خصوصا الإنجليزية.

وقد كتب عن هذا الثلوث والتشوه كتاب الصحافة عندنا منذ وقت بعيد وصدرت أوامر رسمية توصي بالمحافظة على تميز اللغة العربية عن غيرها وكتابتها برسم وأحرف أكبر من كتابة اللغات التي توجب الضرورة استعمالها مع العربية.

كل ذلك مع ما تؤكده الأوامر وما يقتضيه واجب المحافظة على اللغة الرسمية إلا أن التطبيق أصبح مخالفا لما يجب أن تكون عليه اللغة التي تعبر عن الثقافة المحلية وتعبر عن الهوية الوطنية.

ولا شك أن ما تحمله المرافق العامة من نصوص وأسماء وإعلانات منشورة هو في حقيقته تعبير ثقافي واهتمام لغوي ولا يليق أن ترفع الأسماء الأجنبية وتنشر لما لمعاني بعضها من تأثير سلبي على الذائقة الثقافية.

ليس هذا فحسب لكن من المؤسف أن أكثر اللوحات تكتب الاسم الأجنبي بحروف عربية إلى جانب كتابته في الحروف اللاتينية كما هو في أصله ظنا منهم أن هذا هو المطلوب فيصبح المعنى فاسدا ومضحكا ولا معنى له في نفس الوقت.

وقد رأيت في سوق من أرقى أسواق الرياض لوحة بارزة كتبت بخط عربي بارز إبليس مكان للأطفال (أطفال إبليس) ترجمة لكلمة كتبت بجانبها بالحروف اللاتينية the children›s place وكان بالإمكان أن يكتب المعنى الإنجليزي باللغة العربية ولكن لسبب لا أعرفه كتب النص الأجنبي بحروف عربية وهو كما ترون.

الغريب أن هذا النص الذي جعل إبليس للأطفال لم يستوقف أحدا من المتسوقين ولم يستفز المارة رغم غرابته وقد رأيته منذ أشهر ولا زال كما وضع وكتب على واجهة المحل، ومثل هذه الكلمات وغيرها كثير من اللوحات التي يشاهدها الناس ويرونها في كل مكان وهي لا تشوش البصر وتلوثه لكن تصيبه بتلبك لغوي حاد ومغص مؤلم للسمع والنظر والذوق يجب معالجته والتخلص منه سريعا، حتى لا تصبح اللغة العربية كلمات متقاطعة وتركيب أقرب إلى العجمة منه إلى الفصاحة العربية والدلالة التي لا تشذ عن المألوف.

Mtenback@