X
عبدالحليم البراك

ثقافة الاعتراف

الاثنين - 20 سبتمبر 2021

Mon - 20 Sep 2021

ماذا لو اعترف الناس بحق الآخرين بأن يكونوا كما يريدون، على الأقل من الناحية الفكرية، أي ترتفع عن الناس ثقافة «وصاية الصواب والخطأ»، وتسقط ثقافة الاعتراف بحق الآخر بأن يكون مختلفا، ووفق دائرة متسعة أصلا، أو تتسع يوما ما، يمكن للمجتمع بهذه الحالة أن يتصالح مع نفسه، ويقلل وبشكل كبير جدا من نقاط الخلاف القاتلة، وأقصد بالقاتلة تلك التي تضعف المجتمع وتمزقه سواء من خلال التطرف أو الإقصاء أو الاعتداء، أو -في أقل الحالات- التجاهل.

تبدو ثقافة الاعتراف بإعطاء مساحة للآخر لا تعني أن يكون الآخر خارج دائرة النقد والمناقشة لكنه -حتما- يكون خارج دائرة اللوم والإقصاء والإدانة، وطبيعي للغاية أن تكون الدائرة في البداية دائرة صغيرة، لكن ترسيخ مفهوم الاعتراف بالآخر خطوة مهمة جدا لتقليل الهوة بين الناس فيما بعضهم سواء على المستوى الفكري أو السلوكي، فاعترافي بخيارات الآخر تعني «تفهمي» له ولسلوكه.







ثقافة الاعتراف ستقضي حتما على التطرف والإيذاء والانتقام والسيطرة، وتترك مساحة لخيارات أخرى قد تكون هي الصواب لكنها تغيب عن البال، مثل أن يكون الآخر هو الذي على صواب، كما أنها تساعد على رفع مستوى آلية النقد الإيجابي في المجتمع، الأمر الذي يجعل المجتمع يصلح نفسه بنفسه بأقل الخسائر الممكنة.

الآخر المختلف عني أمامي، أحمل موقفين تجاهه، الأول إقصاؤه وإدانته ثم يتوارى خجلا أو خوفا الأمر الذي يؤسس بيئة خفافيش لا يراها أحد، حتى تتكاثر ثم تنقلب فجأة على المجتمع لتصبح سائدة وللأسف إن حدثت هذا السيناريو من المحتمل أن ينتقم الآخر، وندخل في سلسلة تصفية الحسابات.

أما الموقف الثاني، هو اعترافنا بالآخر ورأيه، ومن ثم نقده ومحاورته وجعل أفكاره تحت المجهر، فإما أن نصحح أفكاره، أو نعريها، أو نقبلها؛ لأنها قد تكون أفضل من أفكارنا، وربما -كخيار جديد- أن يحصل المجتمع على التركيبة الجدلية بين حوارين مختلفين ليخرج تيار ثالث وسطي في بيئة حوار مستمرة.

ولعل أول خطوات الاعتراف هو التشبع بالمفهوم بمعناه العام الواسع، الذي لا تحده أي حدود أخرى، والأمر يكرر نفسه نقاشا فيه واستيعابا له، ثم يتم تطبيقه -ولو بطريقة بطيئة- على خيارات المجتمع فنقبل الآخر المختلف ونلتمس له عذرا، ولعل آخر عذر يجعله مبررا ومقبولا هو حق الاعتراف به ووجوده وكينونته، وبهذه الطريقة يتم تحييد التطرف بكل أشكاله وأطرافه حتى يتحقق سلام المجتمع.

إن ثقافة الاعتراف لا يمكن أن تتم في يوم وليلة، لكن صعوبتها لا يعني التوقف عن التفكير فيها والبدء بها، وإن كانت الفكرة هي وليدة الجيل الثالث من علماء وفلاسفة مدرسة فرانكفورت، إلا أننا في مجتمعاتنا العربية بأمس الحاجة لمثل هذه الأفكار التي تخلق التصالح بين فئات المجتمع، الذي يصارع بقوة بين المحافظة على الأصالة والانفتاح على ثقافة الآخر المختلفة والجديدة والصدمة، وإن كان المجتمع الغربي يستخدمها لمقاومة النزعة الاستهلاكية والسيطرة الرأسمالية على الفرد، فإنه يمكن استخدام نفس الأداة لمحاولة تطويعها لحل إشكاليات العالم العربي للموائمة بين المحافظة والعصرية الجديدة وسط موجة انفتاح كبيرة جدا، هذا من جهة. ومن جهة أخرى تفاديا للوقوع بنفس الخطأ الغربي الرأسمالي المستغل الآن أو بعد حين.

Halemalbaarrak@