X
حامد بن سليمان العيسى

خدمة ضيوف الرحمن شرف وواجب دستوري

الاحد - 25 يوليو 2021

Sun - 25 Jul 2021

ها هم ضيوف الرحمن - حجاج بيت الله الحرام - غادروا مكة آمنين مطمئنين، بعد أن تشرفت المملكة بخدمتهم وخدمة كل من قصد الحج والعمرة والزيارة.

لقد أعز الله المملكة بإعمار الحرمين الشريفين، وخصها بشرف تهاوي أفئدة المسلمين إليها، حيث قبلة المسلمين، وكرم الرحمن المملكة وقادتها وشعبها بخدمة ضيوفه.







ألم نتساءل يوما عن الأساس القانوني لهذا الشرف والواجب الذي تقدمه المملكة؟ ألا توجد تشريعات في المملكة تعنى بإعمار وخدمة الحرمين الشريفين؟ هل المملكة ملزمة بخدمة ضيوف الرحمن من منطلق ديني وشهامتها العربية فقط؟ أم إن هذا الشرف نص عليه في تشريعاتها الداخلية؟

قبل الإجابة عن هذه التساؤلات، من الجدير ذكره أن هذا الشرف الذي خص الله به المملكة لم يكن وليد اللحظة، فقد عاهدت المملكة نفسها أن تكون خادمة لخير بقاع الأرض، وكان ذلك منذ عام 1343هـ بعد أن آلت الأمور في مكة المكرمة للملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه - متخذا عددا من الإجراءات، ومنها تغيير الميناء من جدة لرابغ، وأشرف المؤسس - آنذاك - على الحج بنفسه، وقد ذكر شكيب أرسلان – عندما وثق حجته إبان حكم المؤسس - في كتابه (الارتسامات اللطاف): «كان الملك عبدالعزيز من شدة إشفاقه على الحاج وعلى الرعية لا يرفع نظره دقيقة عن القوافل».

وبعد أن آلت الأمور للملك عبدالعزيز بنحو سنتين أصدر التعليمات الأساسية - بموجب التصديق الملوكي - والمنشورة في جريدة أم القرى في العدد رقم (90) لعام 1345هـ - وهي أولى الوثائق الدستورية في عصر المؤسس بالمفهوم القانوني – والتي نصت على تشكيل إدارة تعنى بشؤون الحج برئاسة النائب العام الأمير فيصل بن عبدالعزيز - رحمه الله - باسم (لجنة إدارة الحج) تشكل من رؤساء الدوائر التي لها علاقة بأمور الحج، منظما بذلك العلاقة بين الإدارة والمطوفين وهيئات خدمات الحج.

سار على العهد والخدمة - من بعده - أبناؤه البررة ملوك المملكة – رحمهم الله - وصولا إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله. وليس ذلك بغريب على أبناء المؤسس ورجالات هذه البلاد؛ إذ إن ذات ملك المملكة - وهو الأعلى قدرا من حيث الإجلال بوصفه مرجع السلطات - يلقب بـ«خادم الحرمين الشريفين» بشكل رسمي، وهذا شرف خص به ملك هذه البلاد دون سواه، بينما نظراؤه من القادة الآخرين حول العالم يلقبون بصاحب الجلالة أو صاحب الفخامة وغيرها من الألقاب.

لم يكن هذا الشرف فعلا اعتادت عليه المملكة فقط، بل ومنصوص عليه – حاليا - في أعلى الوثائق القانونية درجة؛ إذ نصت المادة (24) من النظام الأساسي للحكم الصادر بالأمر الملكي رقم (أ/90) لعام 1412هـ على: «تقوم الدولة بإعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما، وتوفر الأمن والرعاية لقاصديهما، بما يمكن من أداء الحج والعمرة والزيارة بيسر وطمأنينة». وهذا النص يؤكد مكانة إعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما. وأن الأساس الذي تنطلق منه الدولة في ذلك هو توفير الأمن بمفهومه الشامل على النفس والمال وغيرها منذ قدوم الضيف للمملكة حتى مغادرتها. وكذلك توفير الرعاية الشاملة، ومن ذلك الرعاية الصحية؛ وهذا ما نهجت عليه المملكة في التشريعات الأقل درجة، ومن ذلك نص المادة (14) من النظام الصحي لعام 1423هـ والتي نصت على تقديم الرعاية الصحية للحجاج. وإن من جميل نص المادة (24) من النظام الأساسي للحكم أن مقصده وغايته هو أن يمكن ضيوف الرحمن من أداء عباداتهم «بيسر وطمأنينة» واعتمد واضع النص على لفظ «الطمأنينة» وهي غاية راحة البال والسكون والسلام والتي لا تتأتى إلا بتوفير أرقى وأفضل الخدمات.

عند النظر في غالبية دساتير الدول نجدها تنص على ثوابت الدولة الرئيسية، وتنظم شكل الدولة ونظام الحكم وحقوق الشعب وكذلك المنطلقات التي تنطلق منها الدولة.

والمملكة وضعت إعمار الحرمين ورعاية ضيوف الرحمن من الثوابت والمنطلقات التي تنطلق منها؛ ودليل ذلك إيراد نص المادة (24) في النظام الأساسي للحكم – وهو من الأنظمة الدستورية – فمن الناحية القانونية المسألة المنظمة كنص دستوري على قدر من الأهمية والسمو مقارنة بالنصوص الأخرى؛ لأن النص الدستوري يعامل على قدر عال من الاحترام والاستقرار، فوفقا لقاعدة تدرج القواعد القانونية لا يجوز لأي نص قانوني مخالفة أي نص دستوري، ويصعب ويندر أن تعدل أو تبدل النصوص الدستورية في دول العالم – بما في ذلك المملكة –إذ إنها الأساس للدولة وعصبها القانوني وتعتبر من المبادئ والثوابت لأي دولة.

ورد نص المادة (24) ضمن الباب (الخامس: الحقوق والواجبات)، وعليه قد ألزمت الدولة – حماها الله - نفسها - من الناحية القانونية - أن تقوم بإعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما وتوفير الرعاية لقاصديهما بطمأنينة؛ معتبرة ذلك من أسسها الخالدة لأنها مؤمنة بأهمية تأكيد هذا الأساس في نظامها الأساسي إلى أن يشاء الله؛ فوضع نص كهذا يعني البقاء لهذا الأساس على مرتبة عالية من الاهتمام.

وهذا نهج ملموس، فمثلا عند النظر في إعمار الحرم المكي نجد أن مساحته - قبل أن تؤول الأمور للمؤسس - لا تتجاوز (28) ألف متر مربع ولا تتسع إلا لنحو (50) ألف مصل، وفي عصر المملكة استحدثت ثلاث توسعات، آخرها التوسعة الثالثة لتصل إلى مساحة تقدر بـ(1.5) مليون متر مربع لتسع أكثر من (1.8) مليون مصل.

ولأن المملكة تضع الحرمين الشريفين نصب عينيها في كافة خططها وبرامجها؛ فإن رؤية المملكة 2030 شملت خدمة وإعمار الحرمين الشريفين وقاصديهما، ففي 24/09/1440هـ أطلق برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وهو أحد البرامج التنفيذية لتحقيق الرؤية، ويهدف إلى إثراء تجربة الحج والعمرة بتقديم خدمات استثنائية في جميع المراحل من الفكرة إلى الذكرى، بتعزيز فكرة الانطباع الأول مما قبل الوصول ثم القدوم، إلى أثناء أداء المناسك بيسر وطمأنينة، مع إثراء التجربة بتعزيز اكتشاف المملكة ومعرفة ثقافتها المرتبطة في جذور التاريخ الإسلامي. ومن ناحية الأرقام يستهدف البرنامج خدمة المزيد من ضيوف الرحمن بزيادة الطاقة الاستيعابية للمعتمرين من (8) ملايين إلى (30) مليونا سنويا بحلول عام 2030.

ومن مستهدفات البرنامج تيسير عملية التنقل والدخول لضيوف الرحمن وأتمتة الخدمات، ومن منجزات البرنامج اعتماد التأشيرات الالكترونية للحجاج والتي قلصت مدة الحصول على التأشيرة إلى (5) دقائق بدلا من (14) يوما، وأطلقت «مبادرة طريق مكة» التي سهلت إجراءات دخول ضيوف الرحمن عند المنافذ إلى معدل (15) دقيقة فقط، وأطلقت «مبادرة إياب» والتي يسرت إجراءات مغادرة ضيوف الرحمن ووصلت مدة إنهاء إجراءات حقيبة الحاج إلى (20) ثانية فقط، وانطلاق رحلات قطار الحرمين الشريفين ويعد الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، وغيرها من المنجزات خلال سنتين فقط من إطلاق البرنامج!

أخيرا، الالتزام بالشرف الديني والواجب الدستوري بخدمة ضيوف الرحمن يتم من خلال أكثر من (30) جهة حكومية وبمشاركة أكثر من (400) جهة غير ربحية، ويقوم بهذا الواجب سنويا أكثر من (350) ألف شخص، وهذه المسؤولية والشرف ساقها الله لكل أبناء هذه البلاد المعطاء، فكما قال خادم الحرمين الشريفين عند إطلاق برنامج خدمة ضيوف الرحمن: كلنا نخدم الحرمين الشريفين بما في ذلك الشعب السعودي، لست أنا لوحدي.

وأقول كما قال إبراهيم عليه السلام «رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات» سائلا الله أن يمد المملكة - قيادة وشعبا - بعونه وتوفيقه لخدمة ضيوفه من المسلمين من المشرق إلى المغرب بيسر وطمأنينة.

AleisaHamed@