X
مرزوق بن تنباك

التنافس المشروع

الثلاثاء - 06 يوليو 2021

Tue - 06 Jul 2021

خلق الله الناس وخلق التفاوت بينهم في الأعمال والأرزاق والأحوال، وهذا التفاوت هو محرك الحياة الذي تعمر به وتدوم وتقسم فيه الحظوظ والأرزاق، ولكنها ليست قسمة عبثية ولا صدفة تحدث وحظ يوافي كما يحلو للكثير من الناس تفسير التفاوت بالحظوظ بأنه يحدث بعمل خارجي أو فزعة من الأصدقاء والأقرباء.

ولا يعني ذلك أيضا نفي هذه الوسائل أو تجاهلها فقد تحدث لطائفة أو تحدث لأشخاص معدودين من الناس لكنها مهما حدثت وقويت ووجدت فإنها لا تغلق الطريق وأبواب الدنيا على المكافحين والقادرين والعاملين الذين يستطيعون اختراق السدود الاجتماعية ولديهم القدرة على تذليلها حين يظن العاجزون أنها توضع في طريقهم وتعطل مسيرهم ولا يقدرون على تجاوزها فيكون التعبير عن عجزهم والغضب على غيرهم مطمئنا لهم ومبررا لفشلهم وتعذرا لأنفسهم.







ولو قرأ المرء سير الناجحين في الحياة لعرف أن الطريق الصعب الذي وضع أمامهم في مرحلة من مراحل حياتهم هو سر النجاح الذي حققوه في المجال الذي نجحوا به؛ فمثلا في التجارة هناك عقبات وطرق ومنافسات وحروب طاحنة على المال وكسبه واقتنائه والصبر على منازلة الأنداد والتحدي للظروف التي يصنعها الواقع في حال، ويعملها المنافسون في حال أخرى، وما في الدنيا حرب أشد من الحرب التي يسببها طلب المال والدفاع عنه، وحب اقتنائه والتكاثر منه والحمد لكاسبه على أي حال كان.

ولو فكر الإنسان قليلا لعرف أن كل الحروب التي حدثت في التاريخ منذ الأزل وفي العالم كله كان المال هو سببها الحقيقي وليست تلك الأسباب التي يتعلل بها المحاربون، أو تلك التي يدعيها المدافعون عن وجودهم وثرواتهم وأموالهم.

قد تغلف الحروب التي حدثت والتي تحدث بين الناس بغلاف الدين أو تطوى في مبررات الكرامة أو الدفاع عن الوجود والذات والسيادة، لكن ثق أن كل ما يتعلل به المحاربون من علل وراء تلك العلل شيء واحد هو المال وحده وليس غيره.

وهو ناموس الطبيعة ولولا ذلك لركدت الحياة وأصبحت لا تطاق وقل الاستمتاع بالنجاح لدى الناجحين، وكلما اختلفت حظوظ الناس وتباينت أرزاقهم من الدنيا صلحت وعمرت وقام القسط بين البشر الذين يعيشون في دوامة التنافس والتفاضل ولا يعفي أحد نفسه إذا عجز أو قصر في اتباع الوسائل التي نجح فيها منافسه ولم يستطع مجاراته والسير في الطريق الموازي له ليكون مثله أو يتفوق عليه؛ فبالتحدي والتنافس يعمر الكون وتزدهر الدنيا.

والدافع الآخر بعد المال الذي هو أس التفاضل يأتي العلم الديني وفيه يحصل الاختلاف والتنافس بين أهله في أصوله فروعه ومضامينه ويكون أكثر شراسة وقسوة من طلب المال، ذلك أن مصادر كسب المال متعددة فيتسع المجال بين طلاب المال ويبتعد بعضهم عن بعض في وسائلهم لجمعه، بينما العلم الديني موضوع واحد تضيق طرقه فلا ينال واحد ممن يدعون العلم والمعرفة درجة منه أو درجات إلا نقص حظ منافسه بمقدار ما ينال الغالب من النجاح؛ فتحتدم البغضاء ويسود الخلاف وتبقى العداوة للأجيال وتسجلها الكتب، ولا تنقضي بانقضاء أربابها لكنها بزعمهم تنتقل إلى الدار الآخرة ولهذا يأتي التكفير والتضليل ويوصف المنافس بالمبتدع والمخالف؛ فإذا رأيت من هذا شأنه فاعلم أنه جعل العلم وسيلة للدنيا وتألى على الله بغير علم وسعى للفتنة بين الناس.

Mtenback@