X
مرزوق بن تنباك

اقطــــعوا لسانـــه

الثلاثاء - 15 يونيو 2021

Tue - 15 Jun 2021

تكلم العرب قديما عن قطع اللسان كناية وتورية وليس حقيقة وفعلا، وكان الشعراء أكثر الناس عرضة لقطع الألسن، وهو قطع لا ينزف دما بل ينزف مالا وثروة يبحث عنها الشعراء فتزداد ألسنتهم طولا ومطامعهم عرضا، وتمتد رحلاتهم شرقا وغربا للبحث عن قطع اللسان.

واللغة العربية كثيرة الكنايات والتورية، ولعله لا توجد كلمة صريحة مباشرة لا تحتمل إلا معنى واحدا لا غيره، كل كلمات اللغة هي في واقعها استعارة أو كناية أو وصف لشيء كان وشاع حتى نسي الناس المعنى الأول ولم يعد يعرفونه عندما تقال الكلمة بدلالة مختلفة عما كانت عليه في استعمالها الأول، ولا سيما في معاني العبادات والممارسات الشخصية، فالصيام ونحن حديثو عهد برمضان يعني التوقف والامتناع ولا علاقة له برمضان وصومه.







وقل مثل ذلك في معنى الصلاة والحج والزكاة، وكل العبادات هي مصطلحات حادثة في اللغة ما كانت في أصل استعمالها ولا كانت تعني ما تعنيه مما اصطلح عليه الناس اليوم، ولو سألت إنسانا من أهل الجاهلية عن هذه المعاني لأخبرك بشيء لا تعرفه أنت، ولو أخبرته عما تعنيه عندك اليوم لما عرف شيئا مما تقول. لكن ما يدل على معنى الكلمة وتحولاتها هو السياق والعرف الجاري والمترادفات، وأهم من ذلك المدرك الحسي والاصطلاح واطراده لدى الناس.

سبب هذه المقدمة ما يدور في الساحة هذه الأيام من جدل حول القطع في الآية الكريمة (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ومحاولة المتكلفين من أن القطع هنا هو مثل القطع الذي بدأت به هذه الكلمة، أي قطع لسان الشاعر حتى لا يهجو الممدوح لو قصر في عطائه، ويقولون على القياس والعهدة عليهم : إن قطع يد السارق في الآية هو منعه من السرقة، ومماحكة معهم لا موافقة لهم فيما ذهبوا إليه نسألهم كيف يقولون في الآية التي يسمعونها كثيرا في تنفيذ بعض الأحكام (إنما جزاء الذين يحاربون الله ....أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ) فكيف يحتالون لقطع الأرجل هنا؟.

لا شك أن فيهم خيرا وقد نظروا في النص فوجدوه صريحا وأن نص القرآن واضح فحاولوا تأويله بالمنع بدل القطع خشية أن يتهموا بتعطيل النص القرآني، وعواقب ذلك خطيرة. ولو علموا بعمل عمر وإجماع الصحابة رضي الله عنهم على وقف العمل بنصوص من القرآن الصريحة التي لا تقبل التأويل ولم تعد الحاجة داعية إليها أو لزوال سببها لوجدوا لقولهم لوقف قطع يد السارق في هذا الوقت حجة وأسبابا كثيرة دون التكلف والخروج على ما تقتضيه اللغة والسياق والفهم للآية.

وإليكم هذه الآية (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم).

هذا نص قرآني صريح لا يحتمل التأويل، ومع ذلك فقد أوقف الخليفة عمر بن الخطاب العمل بنصاب المؤلفة قلوبهم ووافقه الصحابة بالإجماع على ذلك ولم يروا أن ذلك تعطيلا للنص القرآني بل هو تقدير لمصلحة الإسلام العليا، وزوال الحاجة إلى المؤلفة قلوبهم جعلهم يوقفون العمل بنص القرآن الصريح الواضح الذي لا لبس فيه ولا اختلاف في دلالته، ولا يحتمل تأويلا غير معناه المباشر ، ومثل هذه الآية آية أخرى أوقف عمر العمل بها ووافقه الصحابة بالإجماع أيضا ولم يعدوا ذلك تعطيلا للنص القرآني تلك هي آية الخمس (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ...) حتى إن عليا عليه السلام كان يطالب بخمس ذوي القربى ، فلما صارت الخلافة إليه أعمل ما أجمع الصحابة عليه ولم يعد الخمس إلى ذوي القربى . هاتان آيتان صريحتان لا تحتملان تأويلا غير ما نصتا عليه، وقد أوقف الصحابة العمل بهما ولم يزعم أحد أنهم رضي الله عنهم عطلوا القرآن ولم يعملوا بنصه . وأوقف عمر القطع في عام الرمادة وهو قول شائع مشهور عند الفقهاء.

ونأتي إلى قضية اليوم وهي حكم قطع يد السارق التي لم يعد يعمل به أحد غير داعش وأمثال داعش، ونقول ليس في مصلحة المسلمين ولا مقاصد الإسلام إعمال الحكم بالقطع اليوم، وقد تيسرت ظروف يمكن بها منع السارق وتعطيل عمله دون قطع يده فيتحقق القصد، وهو المنع وتسلم الأيدي من القطع، زادكم الله تدبرا للقرآن وفقها لمقاصده.

Mtenback@