X
نمر السحيمي

ناصر الشثري وماجستير الملك خالد

الاحد - 13 يونيو 2021

Sun - 13 Jun 2021

في أوائل عقد العشرينات الهجرية من قرننا هذا كنت طالبا متفرغا للبحث والدراسة فـي سبيل الحصول على درجة الماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

وكنت أبحث فـي مسيرة وظروف الدعوة الإسلامية فـي عهد الملك الصالح خالد بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله.







فقد كانت الدعوة الإسلامية التي تتمسك بها المملكة في كل عهود ملوكها هي الدعوة إلى الإسلام الوسطي السمح وهو الإرث النبوي الذي تعاهد السلف الصالح الحفاظ عليه حتى وصلت أمانته إلـى الإمام الصالح عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل مؤسس المملكة العربية السعودية ثم تعاهده أبناؤه الملوك من بعده.

وقد كانت دراسة الدعوة الإسلامية في عهد الملك خالد وإن كانت امتدادا لمسيرة الدعوة من قبله في الإطار العام إلا أنها كانت تختلف عن غيرها بالتطبيقات نظرا لاختلاف الظروف وتغير الأحوال ويعرف ذلك المتخصصون في هذا العلم.

ما أعاد ذاكرتـي لهذه المرحلة العلمية المهمة فـي حياتـي هو نبأ وفاة الشيخ ناصر بن عبدالعزيز أبو حبيب الشثري -رحمه الله- رفيق الملك خالد وأحد رجال الدولة المخلصين الذي قضى سني عمره في خدمة الوطن وولاة الأمر.

وترجع بـي الذاكرة حين كنت أتردد على فضيلة المشرف العلمي على دراستي الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الجويبر الذي كان يؤكد علي في مرحلة البحث أن ألتقي بمرافقين للملك خالد، وأن تلك المقابلات مع هؤلاء المرافقين لن يكتمل البحث إلا بها؛ وكنت حزينا جدا لصعوبة هذه المقابلات خصوصاً وهي ستكون مع شخصيات كبيرة يصعب الوصول إليها من طالب فقير فـي ذلك لا يكاد يملك قوت يومه فضلا عن السفر للوصول إلى تحقيق هذه المقابلات؛ ورغم ذلك فقد تحققت بفضل الله وخلال فترة البحث كل المقابلات العلمية وضمنت الدراسة.

ومن تلك المقابلات كانت مقابلة الشيخ ناصر الشثري الذي كان لها سبب يسره الله لـي رغم صعوبة هذه المقابلة.

وكان السبب الذي يسره الله هو انضمام الطالب فيصل بن ناصر الشثري ابن الشيخ ناصر إلـى الطلاب الذين كان يشرف عليهم مشرفـي العلمي الدكتور الجويبر، وكنت أحدهم في ذات الوقت، فكنت التقي أنا وفيصل فـي مكتب المشرف وفـي منزله حتى جمعت بيني وبينه صداقة أدت ولله الحمد إلى سهولة الوصول لمقابلة والده -رحمه الله- والتنسيق لهذه المقابلة بكل يسر.

وقد التقيت الشيخ ناصر أكثر من مرة في منزله بالرياض وتحدث عن الملك خالد واصفا ما رآه من سيرته العطرة وحرصه على إقامة أركان الإسلام والتحلي بمكارم الأخلاق، إضافة إلى بيان حرص الملك خالد على تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بيته وبين مرافقيه تماما كما تطبق تلك الشعيرة بين الناس بالمملكة.

وما أتذكره من إحدى مقابلاتـي مع الشيخ ناصر أنه دعاني لمشاركته الإفطار في اليوم التالي وقد كان يوم الخميس، وحين ذهبت من عنده وقد استجبت لدعوته أشكل علي متى سيكون الإفطار هل هو الصباح أم أن الشيخ كان سيصوم وسيكون المقصود مشاركته إفطاره عند صلاة المغرب؟؛ فأكثرت التفكير في هذا الأمر حتى قررت الاتصال بزميلي فيصل بن ناصر؛ وبعد جهد أكد لـي أن الشيخ يقصد أن تشاركه الإفطار في الساعة الثامنة صباحا، وقد علمت بعد ذلك أنه تعود على جمع أبنائه لمشاركته الإفطار كل خميس صباحا وأَحب أن أكون معهم.

وقد ضمنت نتائج مقابلة الشيخ الشثري رسالتي في الماجستير وكانت هذه النتائج من أوثق المضامين التي احتوت عليها هذه الأطروحة التي حصلت على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى والتوصية بطباعتها. وكان الشيخ ناصر الشثري بتواضعه المعهود أول من بارك للباحث هذه النتيجة المشرفة التي أدت لطباعة الرسالة فـي كتاب يعد أول كتاب في مجاله، وقد دخل كل مكتبات المملكة العامة كمرجع أساسي للدعوة الإسلامية وتطبيقاتها في عهد الملك خالد منذ طبعته الأولى عام 1427هـ.

واليوم وأنا أسمع عن نبأ وفاة الشيخ ناصر الشثري -رحمه الله- الذي أعلن يوم الجمعة ودفن بعد عصر يومها المبارك؛ أتذكر الكتاب الذي أهداني إياه أثناء مقابلاتي له وهو كتاب ابنه الدكتور محمد (نفح الطيب في سيرة الشيخ أبي حبيب)، وهو الكتاب الذي لا زلت احتفظ به فـي مكتبتي حتى اليوم بتوقيع وإهداءه، وأبو حبيب هو الشيخ عبدالعزيز الشثري -رحمه الله- أحد العلماء بالمملكة ووالد شيخنا ناصر الشثري المستشار بالديوان الملكي الذي رحل لجوار ربه الكريم مخلفا وراءه محبة الناس وتقديرهم ودعواتهم له بالرحمة والمغفرة.

نمر السحيمي