X
عبدالله العولقي

بين الشعبوية والعولمة

السبت - 05 يونيو 2021

Sat - 05 Jun 2021

في علم الفيزياء تبرز نظرية علمية شهيرة أطلقها العالم الإنجليزي المعروف إسحاق نيوتن، (لكل فعل ردة فعل)، فهل ما نشاهده اليوم من تعالي صخب الخطاب الشعبوي حول العالم يمثل ردة الفعل الطبيعية لما مثلته العولمة من طغيان في السلوك واجتياح لخصوصية المجتمعات البشرية بفضل التقنية المتعاظمة والتكنولوجيا المتسارعة؟!!.

لا شك أن جائحة كورونا قد أعاقت نمو العولمة نسبيا وساعدت الشعبوية على تحقيق التوازن النسبي لردة الفعل، فتعاظم الخطاب الشعبوي بصورة غير حضارية على وسائل التواصل الاجتماعي، وظهرت الدعوات العنصرية تجاه إغلاق الحدود والانكفاء وراء الحدود الجغرافية، وهذا ما دعا الكاتب الاقتصادي فيليب ليجرين إلى أن يعتبر الجائحة الكورونية قد أهدت للشعبويين أعظم هدية حينما فرضت مسبباتها نمطية الحضر وإغلاق الحدود وتعليق رحلات السفر الدولية، فالخطاب الشعبوي يريد المزيد من ضوابط الهجرة والتنقل حول العالم، وإعادة رسم الحدود الجغرافية بطبيعتها التاريخية الصارمة، وفرض المزيد من القيود على الشركات التجارية العالمية الكبرى.

أيضا، هناك حديث إعلامي مخيف حول أهم أسلحة العولمة، وأعني شبكة الإنترنت المفتوحة حول العالم، والتي قد تتجه نمطيتها في المستقبل إلى توجهات جديدة تقتضي بفصل تام في المحتوى العالمي، حيث يتمثل ذلك بالمعسكر الشرقي بقيادة الصين والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، بحيث لا يستطيع المنتمي لأحد المعسكرين الاطلاع على محتوى المعسكر الآخر، وقد أطلق على هذه الظاهرة التنبؤية بـ Splinternet، وبما أن كل المؤشرات تتجه نحو تدشين هذا العصر التقني الجديد فإنها بلا شك تمثل انتكاسة حضارية أخرى للإنسانية، وانتصارا جديدا للشعبوية أمام صراعها مع العولمة.

لا شك أن العولمة قدمت للمجتمعات البشرية تقاربا إنسانيا مهما في التاريخ الحديث، ولكنها في ذات الوقت أظهرت بشاعة القوى المهيمنة على مقومات تلك العولمة، وأعني الشركات التجارية الكبرى، والتي استطاعت بفضل ذلك التقارب أن تفرض سطوتها الاقتصادية وهيمنتها التجارية على اقتصاديات الدول الصغيرة والفقيرة عبر منظومات ضخمة تسمى الشركات متعددة الجنسيات، وهذه الاستغلالية اللاإنسانية أظهرت بشاعة العولمة من زاوية أخرى.

تقدم العولمة أيضا، صراعا تقنيا جديدا يتمثل بالعملات الرقمية، كالبيتكوين واليوان الرقمي، وهي عملات افتراضية لا تخضع لنظم البنوك المركزية، وعلى الرغم من تمردها على الأفكار الاقتصادية التقليدية فهي تحقق نموا مطردا وتقدم أرباحا عالية في البورصات العالمية، وفي المقابل هي صورة مفزعة لعمليات تبييض الأموال غير المشروعة لدى بعض الشركات الدولية الكبرى، وتمثل أحيانا مجالا للتهرب الضريبي كونها لا تخضع لقيود الرقابة التقليدية مما حدا بالبعض إلى وصفها بالعملات القذرة، وهنا يظهر الخطاب الشعبوي بقوة حول العالم ضد هذه المنتجات التي تقدمها العولمة بهذه الصورة السلبية.

وأخيرا، العالم اليوم في أمس الحاجة إلى نقطة التعادل أو التوازن، والتي لا تسمح للعولمة باجتياح الخصوصية أو الهيمنة الاقتصادية، ومن جهة أخرى لا تسمح للشعبوية بفرض خطابها العنصري والبعيد عن معاني الإنسانية.

@albakry1814