X
عبدالله العولقي

الثقافة الافتراضية

الاثنين - 24 مايو 2021

Mon - 24 May 2021

أثناء جائحة كورونا زادت القيمة السوقية لمنصة زوم بصورة متسارعة ومثيرة، كما زاد إقبال المجتمعات البشرية على مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي كنمطية تعويضية وطبيعية لآثار الحظر والتباعد الاجتماعي، ومن بين تلك اللقاءات التواصلية المباشرة نشطت بشكل ملحوظ مجموعة اللقاءات الثقافية والاجتماعات الأدبية والتي كانت حينها في غاية الجمال والروعة، ولا شك أن تلك الفضاءات الافتراضية قد أسهمت بصورة أو بأخرى في تنمية المواهب الفنية والقدرات الأدبية بين مجاميع الحضور، كما عززت أيضا من مفاهيم التنوع الثقافي بين المجتمعات العربية وأسهمت في نشر المحتويات المحلية لتمنحها آفاقا من التوسع الجماهيري، فبرزت أعلام جديدة في الشعر، وأسماء مبدعة في الرواية والثقافة والموسيقى لم نكن نعلم بها من قبل.

لقد أجبرتنا الجائحة الكورونية على برمجيات مجتمعية جديدة لم نعهدها في السابق كمسألة التواصل الثقافي الافتراضي، فكان لها نتائج إيجابية مثمرة وبزخم عصري حديث، يقول أحد الكتاب وهو يصف الثقافة الافتراضية فيزيائيا بانفصال العلاقة الترابطية بين الزمان والمكان، فقد أصبح الفضاء الواقعي جزءا من الفضاء الافتراضي، كما شهدت تلك اللحظة الالكترونية تجاوزا للجغرافيا وحدودها التقليدية، والتي ظلت في الماضي عائقا مؤرقا أمام العملية الإبداعية عندما حصرتها ضمن نطاقات مكانية محددة لا تستطيع تجاوزها، فخلال الجائحة الكورونية تمكن بعض المثقفين والمبدعين المخضرمين من العودة إلى الممارسة الإبداعية والفنية بعد أن أدركهم اليأس من غياب الجمهور المحلي الخاص بنطاقهم الجغرافي المحدود، وتدهور الذائقة الفنية على العموم، فالجغرافيا التي تلاشت عبر تطبيقات التقنية الحديثة مكنت أمثال هؤلاء المبدعين من العودة إلى العطاء الفني، كما أجبرتهم على تعلم التقنيات الحديثة وممارسة السلوك التقني الافتراضي ليتواصلوا مع دوائر التقاطعات الجماهيرية التي تتوافق مع اهتماماتهم وميزاتهم الإبداعية.







لقد تسببت الثقافة الافتراضية أيضا في كسر حواجز الحضور النخبوي التقليدي بعدما أسهمت بديمقراطيتها التقنية على إبراز أصوات إبداعية جديدة على الساحة، كما قدمت مواضيع مبتكرة وحوارات نقاشية بفضل التلاقح الثقافي بين المجتمعات المتقاربة أوالمتباعدة، فعلى سبيل المثال قدمت الحركة الثقافية لدول المغرب العربي إسهامات مهمة في داخل ثقافة عرب المشرق، والعكس صحيح أيضا، وهذا الإثراء الثقافي سيجد فضاءات أوسع وأعمق ضمن ميادين الثقافة الافتراضية في المستقبل.

وأخيرا، لا بد من الإشادة هنا إلى أن المهرجانات الثقافية واللقاءات الأدبية التي كانت تعاني في السابق من تكرارية التأجيل أو حسم الإلغاء بسبب الظروف المالية أو الطارئة قد وجدت لها حلا عصريا وواقعيا في البيئة الالكترونية، ولهذا السبب يعتقد الكثيرون أن الثقافة الافتراضية ستستمر في تقديم محتواها الإبداعي حتى ولو زالت الجائحة وتلاشت آثار الحظر والتباعد الاجتماعي، وندعو الله تعالى أن يكون ذلك في القريب العاجل.

@albakry1814