X
عبدالحليم البراك

الصورة النمطية للفنان والمثقف

الاثنين - 24 مايو 2021

Mon - 24 May 2021

في شهر رمضان المبارك؛ وتحديدا في الدراما السعودية، ظهرت صورة متكررة ونمطية للمثقف في الدراما السعودية (نقول عنها دراما تجاوزا واصطلاحا، وإلا هي مجرد اسكتشات سريعة كما يقول ابن بخيت) في أكثر من عمل وأكثر من حلقة تلفزيونية، هذه الصورة أظهرت المثقف في برج عاجي ومنفصل عن المجتمع وذا أسلوب مختلف عن المجتمع، وكانت صورة سيئة مبتسرة لرجل يردد مقولات سارتر بدون مناسبة تستحق، أو شخص يطابق شكل عالم النسبية الشهير أينشتاين وأسلوب حياته، أو شخص يلبس نظارات مختلفة عما يلبسه الناس عادة، ويتشدق، ويقول الشعر غير المفهوم للناس ويغرق ويتقعر في اللغة الفصحى، إلى آخره من تلك الصفات السلبية حتما، ولن أدافع عن صورة المثقف بسبب التشويه من الفنانين لها، بل سأهاجم الفنانين في عقر دارهم، لأن أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم، وأن أفضل طريقة لإشغال الخصم عنك أن تشغله في نفسه، فهذه صورة الفنان لدى الناس:

دائما ما يتهم الفنان بأنه سطحي، وأن ما يظهره من ثقافة ليست إلا جزءا من تمثيل اعتاد أن يقوم به، ولذلك يفضح ثقافة الفنان المقابلات التلفزيونية المباشرة التي تظهر الفنانين كما هم بلا رتوش، وقليل من الفنانين من يتمتع باطلاع واسع أو ثقافة عميقة، وإن كان ثمة (ميك أب) يضعه الفنان قبل بدء المشاهد التلفزيونية، فإن ثقافته التي يظهرها في المشاهد ليست سوى (ميك أب) سرعان ما يزول مع أول لقاء؛ فلو قدر لي أن أصور فنانا فإني سأظهره وهو يتلعثم في الحقيقة مختلفا عن المسلسل الذي يظهر محبوكا متماسكا مدعيا للثقافة بمساعدة آخرين!

الفنان يعاني من أزمة ثقة الآخرين فيه، فكل صفاته الحسنة يرجعها الناس لصفة التمثيل، فإن أظهر لطفا فهم يقولون لا تثق في لطفه فهو ممثل، وإن أظهر كرما فهو لا يعبر عما في داخله فهو ممثل! حتى يسأله الناس دوما هذا من داخلك أو تمثل علينا؟! وإن أظهر تعاطفه مع الآخرين وسالت دموعه ألما أو فرحا، فإن الثقة مفقودة بسبب كثرة دموعه التي أهدرها من مشهد لآخر!

أما بيئة عمل الممثل فهي بيئة صراعية، ولكن ثمة قائل يقول: كل المهن صراعية، وكلما ارتفع مستوى الشخص في المهنة زادت حدة الصراع، وهذا صحيح، لكن الفنان أكثر قربا للإعلام وأكثر ظهورا في بيئة الصراع، لذلك كل الناس تعرف عن خلاف هذا وذاك من خلال الإعلام! لذلك صراعاتهم مكشوفة، ومشاحناتهم معروفة، وهم مادة دسمة للإعلام، فهل هذا يعكس واقعهم؟!

الفنان يعرف يمثل، وهذه حقيقة مطلقة مع اختلاف بالجودة من ممثل لآخر، لكنه لا يعرف إلا أن يمثل، وفي حال لعب دور الثري في الحياة الحقيقية فإنه يفشل فسيبقى الرجل الفقير في داخله، وإن لعب دور السياسي في الواقع فإنه سيفشل لأنه لا يجيد السياسة إلا خلف الكاميرات وليس الواقع، وإن لعب دور لاعب الكرة في الحقيقة أو في التمثيل فإنه سيفشل حتما وهنا يظهر الاختبار الحقيقي للممثل، هل تستطيع أن تركض كما يركض الرياضيون، وتسجل الأهداف كما يسجلها لاعبو كرة القدم؟ حتما سيفشل!

هذه هي الصورة النمطية للفنان، وسنكون أكثر دقة منهم، فنقول هذه الصفات لا تغطي كل الفنانين، ولا تشملهم بل بعضهم، وأي تشابه من هذه الصفات مع فنان، فيجب أن يعرف أن ذلك حدث من محض الصدفة وليس شخصا مقصودا بعينه، وإن عاد الفنانون نقدا جارحا للمثقفين عدنا لهم بحروفنا نقدا منطقيا عاقلا.

Halemalbaarrak@