X
سالم الكتبي

رؤية سعودية واعية

الثلاثاء - 11 مايو 2021

Tue - 11 May 2021

وسط مؤشرات وشواهد متسارعة على تحولات مهمة يتوقع حدوثها في منطقة الشرق الأوسط، أدلى ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان، بحديث تلفزيوني بالغ الأهمية مؤخرا، تناول فيه العديد من النقاط والقضايا، وجاء الاهتمام الإقليمي والدولي به مرآة تعكس بوضوح ثقل ومكانة المملكة الشقيقة وحرص العالم على التعرف على فكر وفلسفة عمل القيادة السعودية الشابة.

وقد تناول ولي العهد نقاطا بالغة الأهمية وأوضح رؤيته بشأنها، وجاءت الردود حاسمة قاطعة وواضحة ودقيقة رغم حساسية الملفات والموضوعات التي تناولها، وكانت هذه الردود بمنزلة دليل قاطع على وضوح رؤية القيادة السعودية التي تعمل جاهدة لتحقيق أهداف (رؤية 2030)، التي جاء حديثه عاكسا لعمق قناعة القيادة لأهداف هذه الرؤية والتصميم والحرص على تنفيذها بما يحقق تطلعات الشعب السعودي الشقيق للمستقبل، الذي يحمل آمالا ووعودا كبرى للأجيال السعودية المقبلة.







ولعل أروع ما في حديث الأمير محمد إلى جانب الاستيعاب الفائق لمجمل توجهات الرؤية المستقبلية للمملكة، هو القناعة بأهمية البناء الروحي والقيمي والأخلاقي والديني في أي منظومة بناء وتنمية، فوجدنا الحديث يتناول بشكل صريح ودقيق وواع رؤية القيادة لهوية المملكة وركائز هذه الهوية وملامحها، وهذه أمور مهمة للغاية لأي بلد، فما بالنا ونحن نتحدث عن المملكة العربية السعودية بكل ما تمتلك من مكانة دينية وروحية وثقل اقتصادي واستراتيجي عالمي، لذا جاءت خارطة الطريق التي رسم ملامحها الأمير محمد بن سلمان بعد خمس سنوات من إطلاق رؤية 2030، لتؤكد أن المملكة تمضي على دروب المستقبل بثقة وثبات وفق رؤية استراتيجية واعية لقيادة تدرك قيمة ومكانة المملكة.

تناول الأمير محمد بن سلمان في الشق السياسي من حواره نقاطا بالغة الأهمية، وفي مقدمتها العلاقة مع الجار الإيراني، والولايات المتحدة الأمريكية، وهما الملفان اللذان يثيران الكثير من الجدل عند مناقشة السياسة الخارجية السعودية، ففي حديثه عن إيران، يمكن القول إن حديث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يمثل اختراقا نوعيا مهما لجدار الصمت في العلاقات مع الجار الصعب، وذلك من خلال رسائل صيغت بعناية فائقة لتعكس فكر قيادة جادة في تحقيق الأمن والاستقرار والسلام من خلال بوابة المكاشفة والشفافية والمصارحة مع الجميع في سياساتها الخارجية، وهنا يقول «إيران دولة جارة وكل ما نطمح إليه أن تكون لدينا علاقة طيبة ومميزة مع إيران، لا نريد وضع إيران أن يكون صعبا بالعكس»، وتابع «نطمح في أن تكون لدينا علاقات مميزة معها.. نريد إيران دولة مزدهرة»، عاكسا ثقة هائلة ورؤية مستقبلية عميقة لأسس وركائز الأمن الإقليمي الحقيقي، ولذا يقول «لدينا مصلحة في استقرار إيران، ولكن الإشكالية في التصرفات السلبية لطهران في برنامجها النووي، وبرنامج صواريخها الباليستية، ودعمها لميليشيات خارجية»، ففي هذه العبارات القلائل اختزل مجمل رؤية القيادة السعودية لإدارة العلاقات مع إيران، وأوضح ما يصعب على البعض فهمه بشأن نوايا المملكة وبقية دول مجلس التعاون تجاه إيران وشعبها، ولعل عبارة «لدينا مصلحة في استقرار إيران» هي جوهر الرؤية التي تحكم السياسة الخارجية السعودية، فاستقرار دولة بهذه الكثافة السكانية على حدود دول مجلس التعاون مسألة بالغة الأهمية من الناحية الاستراتيجية، ولكن هذا الاستقرار ليس مسؤولية أو مهمة طرف بمفرده، بل هي بالأساس مسؤولية ومهمة النظام هناك، الذي يتبني سياسات وسلوكيات تجعل مهمة الاستقرار صعبة سواء لإيران أو لجوارها الإقليمي!

أوضح أن المملكة العربية السعودية لا تريد لإيران وضعا صعبا، فهي دولة جارة وهذا هو حكم الجغرافيا التي لا يمكن التنصل منها أو تغييرها، وبالتالي جاءت الرؤية التي عبر عنها سموه في قمة الوعي بالمعطيات الجيوسياسية والجيواستراتيجية، وانعكس ذلك في تحديد نقاط ثلاث يمكن من خلال معالجتها تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي، وهي (التصرفات السلبية لطهران في برنامجها النووي، وبرنامج صواريخها الباليستية، ودعمها لميليشيات خارجية)، ومن ثم فالمنطقة بحاجة ملحة لمعالجة متكاملة لهذه النقاط الخلافية، ومن دون ذلك أو من خلال تناول أحدها دون الآخر يصعب الحديث عن إمكانية تحقيق استقرار فعلي في منطقة الخليج العربي، وبالتالي فالحديث هنا لا ينطوي على رسالة للقادة الإيرانيين، ولكن أيضا لقادة الدول الكبرى وفي مقدمتهم الولايات المتحدة التي تعمل حاليا على إيجاد تسوية بشأن الاتفاق النووي الإيراني، الذي يعالج شقا واحدا من ملف النقاط الخلافية الثلاث المشار إليها.

بالنسبة للعلاقات السعودية ـ الأمريكية، جاء حديث ولي العهد مهما للغاية، حيث أوضح ما غاب عن الكثيرين، وهو الفارق بين الخلاف والاختلاف، وأوضح أن ثمة تباينات بين المملكة وإدارة الرئيس بايدن، وأن الأمر لا يعدو كونه اختلافا في الرؤى بين (شركاء استراتيجيين منذ أكثر من 80 عاما) مؤكدا أن هناك توافقا سعوديا مع إدارة الرئيس بايدن (بنسبة 90% من الأفكار)، والمؤكد أن هذه النسبة عالية للغاية في ضوء تشابك المصالح وتداخلها بين دولتين بحجم المملكة والولايات المتحدة، وفي ضوء غياب أو تلاشي فكرة التطابق التام في وجهات النظر والرؤى والمصالح بين أي دولتين مهما بلغ مستوى العلاقات بينهما، فالتحالفات لم تعد كما كانت بل بات من الضروري أن يسمح الشركاء بهوامش حركة ضرورية تلعب دور المتنفس الحتمي الذي يضمن بقاء هذه الشراكات على قيد الحياة. وكان لافتا أن يقول «إنه مع أي إدارة أمريكية قد يزيد هامش الخلاف أو يقل، ولكن مع إدارة الرئيس جو بايدن هناك أقل 10% من الخلافات نعمل على تقليلها وحلها»، مشيرا إلى أن هذا هامش اختلاف طبيعي، وليس هناك أي اتفاق 100% بين الدول، وهذا توضيح مهم للغاية لمن يريد فهم ديناميات العلاقات السعودية ـ الأمريكية في المرحلة الراهنة.الحقيقة أن حديث ولي العهد السعودي كان مهما للغاية سواء من حيث الموضوعات أو المواقف ووجهات النظر التي طرحها، أو التوقيت الذي يمثل أحد أهم عناصر الجذب والتشويق والأهمية في هذا الحديث الذي بات وثيقة تاريخية مهمة من وثائق المملكة في مختلف المجالات.

drsalemalketbi@