X
شاكر أبوطالب

رمضان والقرآن واللغة!

الاحد - 18 أبريل 2021

Sun - 18 Apr 2021

منذ سنوات عديدة، وبتحريض من الصديق أحمد السيد عطيف، المتخصص أكاديميا في اللغة العربية وعلومها وآدابها، والشاعر المميز جودة والمقل إنتاجا، بدأت رحلتي للتدبر في القرآن الكريم، وتركيز التأمل في بعض الآيات والكلمات، لأسباب عديدة، أولها محاولة فهم القرآن بشكل مباشر ودون قراءة العلوم والكتب المرتكزة على القرآن، وثانيها تحرير عقلي عند قراءة القرآن من حمولة 11 قرنا أو يزيد، وإزاحة الكم الضخم من التفاسير التي تعددت وتباينت، وتراكمت وحصرت القرآن في الصلاة والتلاوة، وجعلته مهجورا من التدبر والتفكر والتأمل في سوره وآياته.

انطلقت هذه الرحلة في شهر رمضان، قبل أكثر من عشر سنوات تقريبا، وكانت في الأصل مجرد محاولة للاقتراب أكثر من أي وقت مضى من مقاصد القرآن ومفاهيمه، دون أفكار مسبقة، وبعيدا عن تأثير المعتقدات الفردية والجماعية، وكذلك اشتراطات المذاهب الدينية، وحتى تخريجات عدد ليس باليسير من علماء اللغة والنحويين؛ الذين اشتغلوا بالتقعيد اللغوي للقرآن وإعرابه وتصريفه واشتقاقاته، لتعزيز أبرز التفسيرات القرآنية الشائعة، رغم أن القرآن أول كتاب مدون بالعربية، وأصدق نص لغوي فصيح وبليغ ومحكم، وقبل ذلك هو سابق لأول الكتب في التفسير واللغة بنحو قرنين على أقل تقدير.







هذه الرحلة المستمرة مع القرآن الحكيم لم تكن سهلة أبدا، ولم تتوقف عند مستوى معين من الفهم، لأنه وفي كل مرة أزداد رسوخا بأنه لا يمكن الوصول إلى جميع معاني القرآن ومقاصده، لأنه نص إعجازي في البناء والمعنى والبلاغة والبيان والبديع، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

إن التأمل في القرآن الكريم عملية شاقة، فيها من الجد والمعاناة ما لا تلحظه اتهامات سريعة بعدم القدرة على فهم القرآن دون العودة إلى اجتهادات الأولين من المفسرين. وتنصب هذه الاتهامات غالبا على مواقف وآراء شخصية أبعد ما تكون عن العدل والإنصاف، وأقرب ما تكون إلى المحاولات المحبطة والمثبطة لإبقاء كل عقل رهين كتابات السابقين.

وينبغي التأكيد بأن التأمل في القرآن ليس محاولة للتفسير كما يقول أحمد عطيف؛ بل هو محاولة لإزاحة التفاسير، ولأسباب عديدة، أبرزها أن القرآن ليس أعجميا، فهو تنزيل العزيز الحكيم بلسان عربي مبين، ويتطلب فقط تدبرا وتأملا في المقاصد الكلية، وبحثا عن البواعث الأصلية، من خلال إعمال العقل والتفكير بنظرة شاملة، والأخذ بعين الاعتبار ترتيب السور والآيات من حيث النزول، وتتبع الروابط بين الآيات لبناء سياق مشترك، يتيح الوصول إلى المعنى المراد من مفردات الوحي.

ويعمل الصديق أحمد حاليا على إصدار كتاب يضم تأملاته القرآنية وقراءته الخاصة بمعاني بعض المصطلحات والمفردات الواردة في القرآن، والتي انحرفت بها كتب التفسير عن المعاني الحقيقية الواردة في الآيات الأخرى والسياق القرآني، خاصة وأن القرآن يفسر بعضه بعضا. وغايته في ذلك هي العودة بالعلاقة مع القرآن إلى أصلها، أو على الأقل لبناء علاقة أفضل وأصدق مع التنزيل. ولا أظن أن الجهد سيكتمل دون تعاون الآخرين، من أجل الارتقاء بالاجتهاد إلى كل ما هو أقرب إلى بيان اللسان العربي، الذي نزل به الكتاب المبين.

آمل أن يرى هذا الكتاب النور ويصدر قريبا، والأهم من ذلك أن يؤسس لمنهج جديد وعلاقة سليمة مع القرآن الكريم، تفتح آفاقا للعودة إلى الإسلام الصحيح، دين التسامح والوسطية والاعتدال.

shakerabutaleb@