X
مساعد خالد الداود

رحل .. فكيف كان الرحيل؟!

السبت - 13 فبراير 2021

Sat - 13 Feb 2021

غادرنا الشاب الخلوق والاقتصادي الفذ الأخ محمد بن عصام الخميس، فاجعة صعقت بمحبِيه قبل أقاربه وذويه، تصاعدت الدعوات حينها سريعا إلى السماء، وامتلأت وسائل التواصل بذكرى الفقيد الذي لم يتجاوز الثلاث عقود من عمره.

اقتصادي شاب، تفرَد وتمرد على من هم في سنه، صادم أكبر المثقفين بلطف، وجادل كبارهم بكل دماثة خلق، عاش متقلبا ما بين الفكرة ونقيضها. أشد المتمسكين برأيهم، وأسرع المتراجعين إن ثبت خطؤها، أسس ديوانية جمع بها الكبير والصغير وكان المقابل بالنسبة له هو الفائدة لا غيرها، لا يتردد في الإجابة لأنه لم يكن يتردد من السؤال يوما، عاش لأقربائه، وأصدقائه، ومحبِيه، ولكن عاش من خلال نفسه، كان يعلم تماما بأن للحياة دقائق معدودة، فاختار أن يعيشها بأسهل طريقة، وأكثرها تعقيدا على الإنسان، أنت تعلم بأن أجمل ما قد تعيشه في هذه الحياة أن تعيش شغفك، وأن تسعى لتحقيق أهدافك، ولكن ذلك قد يتعارض مع نظرة الناس لك، أو قد تقلق من أن لا يكون لذلك أثرا في بداياتك. محمد عاش شغفه وطموحه وسعى السعي الدؤوب لمبتغاه، ولم يكن أحدا يلحظ ذلك أبدا في بداياته سوى المقربين إليه، وها هو اليوم يغادر ولكل كلمة له أثرا لا نستطيع تجاوزه، وذكرى ليست بالهينة، وتلك هي أسهل الطرق، والأكثر تعقيدا. فما هو المؤلم في الرحيل؟







ليس رحيل من نحب هو ما يؤلمنا فقط، وإنما الأكثر إيلاما من ذلك هو إن كانوا من نحب يشبهون محمد، مفعَمين بالطاقة، محبين للعطاء، يملؤون المكان بروحهم، ولا يغادرونه دون أثر. هؤلاء رحيلهم لا يمكن أن يكون مجرد رحيل، وإنما خسارة لكل من أشعل محمد بداخلهم نورا كان يدمِسه الظلام، وخسارة للوطن الذي كان يرى في محمد درعا من دروعه، فذلك الشاب كان مثالا يحتذى به، ونموذجا للشاب السعودي الطموح.

ها نحن اليوم بعد هذه الخسارة، لا زلنا نتساءل، ما الذي يجعلنا متمسكين بهذه الحياة بهذا القدر؟ باحثين فيها لحظاتٍ نشبع بها نزوات لحظية، غير مدركين بأن للحياة دقائق وثواني، تفنى بعدها الأعمار ويبقى دونها الأثر، ما نخلِفه وراؤنا هو الباقي، وما نزرعه في طريقنا قد يكون حصاده الدعاء بعد الغياب، وما نعلِمه لغيرنا قد يكون زكاة لنا بعد الموت، وما نشعله بداخل الآخرين قد يكون النور الذي يسكن قبورنا يوما.

لست هنا اليوم سوى لأنعي نفسي برحيل محمد، وأنا أعلم بأن هذا الرحيل ليس الأخير، ولكن وقع هذا الرحيل قد كان الأشد والأكثر إيلاما وفتكا، ولكن ما رآه الجميع من ذكرى خلَفها، قد يكون هو السلوان، وخير ما نضمِد به قلوبنا. فنسأل له الله بعد ذلك رحمة تغشاه، ونسأله لنا حسن السيرة والمسير، وختاما يليق بلقاء وجهه الباقي.