عبدالله المزهر

تعوّدوا ألا تتعوّدوا..!

سنابل موقوتة
سنابل موقوتة

الخميس - 13 فبراير 2020

Thu - 13 Feb 2020

كانت هجمة البرد المرتدة قوية فعلا. قبل أن أنام ليلة البارحة تذكرت أني نسيت شيئا في سيارتي فخرجت بملابس خفيفة وكدت أتجمد وأنا أسير، كما يحدث في أفلام الرسوم المتحركة.

وبعد أن عدت إلى المنزل فكرت في كتابة تغريدة أشتكي فيها من قساوة البرد، وكنت أبحث عن شتيمة مناسبة للطقس، ثم إني لأسباب لا أعلمها تخيلت ملايين من البشر يعيشون ـ إن صحت الكلمة ـ في العراء، يفترشون الأرض المبللة ويلتحفون الثلوج المتساقطة. أطفال وبشر عاجزون عن الحركة حتى في الحياة العادية. والحقيقة أني خجلت من نفسي وأنا أستعرض صورا في ذاكرتي لأولئك المشردين الباحثين عن دفء ووطن وحياة، واكتشفت أني لا أحلم بأكثر مما أنا فيه. نحن نتابع أخبار الطقس في هواتفنا الذكية، والمشكلة الأكبر التي تثير هواجسنا في عز موجة البرد هذه هي: هل يذهب صغارنا للمدرسة في اليوم التالي، أم يبقوا لينعموا بدفء المنزل؟

قد نمارس بعض الترف في الخروج بعيدا عن المنازل وإشعال النيران والأكل المبالغ فيه ثم نعود. نتجادل ـ كما نفعل دائما ـ هل البرد أفضل أم الحر. وننقسم لفريقين ـ كعادتنا ـ فريق لا يقبل في البرد قولا، وفريق يقول عنه ما لم يقله مالك في الخمر، مع ملاحظة أني في الحقيقة لا أعلم ماذا قال مالك عن الخمر.

المعضلة التي أخافها دائما هي التعود. التعود يفسد الأشياء، ولذلك فإني لأحاول كثيرا أن «أعود» نفسي على عدم التعود. حين نعتاد على صديق أو حبيب فإننا نبدأ في إهماله، لأن التعود يجعلنا نؤمن أنه قريب، لا يحتاج لكثير من الحرص للحفاظ عليه. نحن نعرف هذا حين يمرض أحد أحبتنا أو يسافر أو يرحل إلى الأبد. نشعر أننا «لم نشبع منه»، ولم نتعامل معه بالطريقة التي يستحقها حين كان قريبا.

والتعود على «النعمة» أسوأ ما يمكن أن يتعوده الإنسان، ألا يستشعرها في كل لحظة ويمتن لواهبها. ألا يكون لديه هاجس أنها أتته دون تخطيط منه ويمكن أن تذهب بذات الطريقة. أن تأكل وتضحك وتسمع وترى وتتكلم وتتنفس، وأن تحب وتُحب، وأن يكون لديك القدرة على التواصل مع أحبتك.. نعم عظيمة لا نلقي لها بالا، لأننا اعتدنا عليها. ثم إن أقبح ما في التعود على النعمة أمران، الأول هو التبلد وعدم الإحساس بمن لا يملكها. والثاني هو السخرية منها واعتبارها مادة للتندر. وهذا يحدث دائما، لأن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي لديه القدرة على أن يكون وقحا. بقية الكائنات الحية ليس لديها هذه القدرة.

حين تتدثر بفروتك أو تجلس أمام نارك ولا يخطر في ذهنك في تلك اللحظة أن تقول الحمد لله كثيرا، ولا تشعر بشيء من الألم لأن البرد والجوع والتشرد والحاجة والظلم تنهش حياة طفل أو حتى إنسان بالغ في مكان ما في هذا الكوكب، فأنت تفتقد لنعمة الإحساس، وهي نعمة عظيمة هي الأخرى. نسأل الله أن يرزقنا ويرزقك ما يكفينا منها.

وعلى أي حال..

لا أريد ولا أحب أن أبدو واعظا. كل ما في الأمر أني «اعتدت» أن أشارك الناس ما يخطر في ذهني في حينه، وقد يبدو على هيئة موعظة أحيانا، وقد يبدو في أحيان أخرى على هيئة دعوة إلى إشاعة للفساد. وأنا لا أتعمد هذا ولا ذاك. أنا أكتب فقط، وأنت، كما هو واضح، تنعم بنعمة عظيمة، فأنت موجود في عصر يمكنك فيه أن تقرأ ما أكتب، فاحمد الله واشكره على ما أنعم به عليك وعلى أمثالك من المعاصرين.

agrni@

أضف تعليقاً

Add Comment

مقالات ذات صلة