أماني يماني - مكة المكرمة

لم يكن الانهيار الاقتصادي الذي تشهده إيران والتراجع الكبير لعملتها المحلية وليد اليوم، بل بدأ ذلك مع اندلاع الثورة الخمينية التي حملت وعودا زائفة وحققت أرقاما مضللة وإنجازات وهمية، ودفعت الإيرانيين للنزول إلى الشارع اعتراضا على الفقر والفساد، في ظل الإمكانات الكبيرة التي يتمتع بها بلدهم.

حاول رفسنجاني وخاتمي ونجاد ورحاني إنقاذ الاقتصاد الإيراني المتردي، لكن أوامر المرشد الأعلى واستراتيجية نظام الملالي الراعية للإرهاب، جلبت المزيد من الكوارث على بلد يعد من أكبر البلاد المصدرة للنفط والغاز.

عانى الإيرانيون من حرب مكلفة استمرت 8 سنوات، وقادتهم الإدارات المتتالية إلى العزلة الدولية المتواصلة، والصراع الأيديولوجي الذي أثر بشكل كبير على الاقتصاد، وجعل خيرات طهران تذهب لوكلاء الشر، وتساهم في زرع الفتن والمؤامرات في المنطقة، بدلا من تحقيق الرفاهية للشعب الإيراني.

الحرب والاقتصاد

وفّر الصراع الذي دام 8 سنوات مع العراق عذرا مناسبا للتوسع في قطاع الدولة والانخفاض الحاد في مستويات المعيشة العامة. ولتلبية مطالب القتال الرئيسة عُزز في البداية إنتاج الصناعات التحويلية في إيران، لكن قطاع النفط لم ينتعش تماما من الاضطرابات الثورية، وأدى انهيار أسعار النفط عام 1985 إلى تقييد قدرة إيران على استيراد السلع اللازمة للحفاظ على الإنتاج الصناعي.

طوال الحرب استمرت الانقسامات الحادة بين الإسلاميين والمحافظين، وأشعلت مقترحات تأميم التجارة الخارجية وتوسيع نطاق إصلاح الأراضي ووضع إجراءات حماية جديدة للعمال نزاعات شرسة بين البرلمان وهيئة الرقابة المخولة بفحص جميع التشريعات.

حاول الخميني في البداية الموازنة، فاتخذ خطوات بدا أنها تساعد المتطرفين، لكنها في النهاية مهدت الطريق لمزيد من البراغماتية. ففي قرار له تداعيات سياسية شاملة طويلة الأجل، فوض أن مصالح الدولة لها الأسبقية على الدستور، وتم إضفاء الطابع المؤسسي على هذا المبدأ عام 1988، مع إنشاء مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي كان مخولا بالتوسط بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور.

ثمن الحرب العراقية



  • انخفاض الإنتاجية.


  • تضاعف الفقر الحضري.


  • انخفض دخل الفرد الحقيقي بنسبة 45% منذ الثورة.


  • فشلت ضوابط الأسعار والتشديد الصارم للسلع الاستهلاكية الأساسية في كبح التضخم المتفشي.


  • أدت المعارك بين الفصائل حول الاقتصاد إلى استقطاب البيئة السياسية وتآكل ما تبقى من القطاع الخاص.




هل كان للثورة الاقتصادية دور في إيران؟


  • تمتلك إيران أساسا قويا للنمو السريع والتطور، حيث تمتلك ثاني أكبر احتياطيات نفطية في العالم، وشبابا متعلمين جيدا، وبنية تحتية صناعية وتجارية متطورة.


  • الثورة والحرب وسوء الإدارة والخلاف بين الفصائل حول السياسة الاقتصادية أضعفت إمكانات إيران منذ اندلاع الثورة الخمينية عام 1979.


  • كان الاقتصاد عاملا رئيسا في تشكيل التطور السياسي في إيران منذ الثورة، وكان أيضا الهدف الأساسي للعقوبات الأمريكية وغيرها من التدابير الدولية التي تحاول التأثير على السياسة الإيرانية.




عزلة روحاني

في حملته الرئاسية لعام 2013 وعد حسن روحاني بإنعاش الاقتصاد وإنهاء العزلة الدولية لإيران. وألقى هو ومؤيدوه اللوم على أحمدي نجاد بسبب سوء الإدارة والإنفاق الزائد والفساد. وتصدرت السياسة الاقتصادية جدول أعماله منذ توليه منصبه، وكانت إحدى أولوياته إنهاء الأزمة النووية مع الغرب، لتحرير إيران من العقوبات الدولية المشلولة.

وخلال الأيام المئة الأولى لروحاني توصلت إيران والقوى الست الكبرى في العالم إلى اتفاق موقت لتقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات المتواضع. وأدت الصفقة إلى زيادة محدودة في صادرات النفط، وسمحت لإيران بالوصول إلى جزء صغير من أصولها الموجودة في البنوك الأجنبية، لكن المكاسب تعثرت بسرعة.

وتوصل المفاوضون إلى اتفاق نهائي في يوليو 2015، فخففت العقوبات الأمريكية، واستعادت إيران الوصول إلى النظام المالي الدولي، وأعادت مليارات الدولارات من الأصول المجمدة، وعادت إلى سوق النفط.

كوارث الرئيس

أكد روحاني ومستشاروه أن تخفيف العقوبات وحده لن يحل كل مشاكل إيران الاقتصادية، فحاول تعديل أو إلغاء عدد من مبادرات أحمدي نجاد الاقتصادية، فرفعت الحكومة أسعار البنزين مرتين بحلول عام 2015، وخفضت ثلاثة ملايين إيراني ثري من قائمة المساعدات النقدية، ولكن لا يزال يتعين القيام بالمزيد من العمل لجعل البرنامج مستداما.

ودعا روحاني إلى تعزيز القدرات المحلية لإيران، وتقليل الاعتماد على صناعة النفط والغاز المربحة، حيث أجبرت العقوبات وانخفاض أسعار النفط الحكومة على مراجعة توقعاتها لميزانية عام 2015 من تقديرات تبلغ 70 دولارا للبرميل إلى 40 دولارا للبرميل، وفي الوقت نفسه دعا إلى زيادة الصادرات غير النفطية، وتحديد هدف يبلغ 77.5 مليار دولار في الصادرات السنوية غير النفطية عام 2015.

واجه روحاني ضغوطا لتحقيق التوقعات العالية والتفاؤل في أعقاب الصفقة، وتوقع الإيرانيون أن يترجم تخفيف العقوبات إلى وظائف ونمو اقتصادي، لكن ما حدث كان كارثة.

استفزاز نجاد

ركز أحمدي نجاد على موضوعات اقتصادية ذات جاذبية شعبية، حيث تعهد بتوزيع عائدات النفط على جميع السكان، وأشار إلى أسلوب حياته المتواضع مقارنة بخصومه. تولى منصبه في ذروة زيادة كبيرة في أسعار النفط، والتي حافظت على معدلات نمو وهمية جلبت تدفقا من العائدات والعملات الأجنبية. وكان العامل الآخر الذي يعمل لصالح أحمدي نجاد هو صعود آسيا باعتبارها ثقلا تجاريا لشركاء إيران التجاريين التاريخيين في أوروبا، مما مكن طهران من تخفيف تأثير العقوبات الأمريكية، وأصبحت الصين أكبر مصدر لواردات إيران، واشترت آسيا النفط الإيراني أكثر من أي منطقة أخرى.

أدى خطاب نجاد الاستفزازي وتحديه المستمر لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن برنامج إيران النووي إلى زيادة الإحساس بالمخاطر السياسية، وأقنع ذلك بعض المستثمرين الأجانب بالمغادرة طواعية.تحرك أحمدي نجاد لمعالجة التشوهات التي طال أمدها للاقتصاد الإيراني، ولكن بطريقة عكسية استفادت الشركات التابعة للدولة وخاصة تلك المرتبطة بالحرس الثوري، واستحوذت صناديق التقاعد على حصة الأغلبية في شركة الاتصالات الحكومية في 2009.

أرقام مضللة

استخدام أحمدي نجاد الجاد للقضايا الاقتصادية جعله أكثر عرضة للخطر، فتوتر المزاج داخل إيران، حيث بدأ التباطؤ الاقتصادي العالمي في التأثير على إيران، وانخفض سعر النفط إلى أقل من ثلث أعلى مستوى له في 2008. وكانت الشخصيات السياسية البارزة والاقتصاديون المشهورون ينتقدون بشدة أسلوب الإنفاق والتدخل الذي اتبعه أحمدي نجاد، في حين أجبرت إضرابات البازاريين عامي 2008 و2010 الحكومة على تأخير أو التخلي عن الزيادات الضريبية المخطط لها.رد أحمدي نجاد على منتقديه بإحصائيات مضللة ومزاعم فساد ضد خصومه. وأدت الاضطرابات التي أعقبت الانتخابات إلى تفاقم المعضلات الاقتصادية لإيران، مما زاد من هجرة الأدمغة وهروب رأس المال.

معارضة خاتمي

أعاد اليساريون الذين همشهم رفسنجاني تقييم الدولة التي ساعدوا في إنشائها، وساعدت جهودهم في النهاية على انتخاب الرئيس محمد خاتمي في 1997، والذي بمجرد أن تولى منصبه وجد نفسه يواجه ركودا عالميا وتراجعا حادا في أسعار النفط، وواجه كذلك التضخم المستمر والبطالة وسوء الإدارة، وكانت إجابته عبارة عن مجموعة حذرة من المبادرات الاقتصادية الصغيرة الحجم التي جاءت بنتائج متواضعة.

خلال فترتي ولايته حقق خاتمي بداية قوية لإعادة الهيكلة الاقتصادية الجادة، لكن الخطط الأكثر طموحا، بما في ذلك الجهود المبذولة لخفض الدعم المكلف للطاقة، قوبلت بمعارضة البرلمانيين المحافظين. ويمكن أن ينسب إلى خاتمي وحركة الإصلاح بعض الإصلاحات الاقتصادية الأساسية، لكنها فشلت في بناء والحفاظ على الدعم العام لجدول أعمالهما.

فشل رفسنجاني

ساهم وقف إطلاق النار ووفاة الخميني عام 1989 في حدوث تحول كبير في النهج الاقتصادي لإيران، فسعى الرئيس المنتخب حديثا أكبر هاشمي رفسنجاني إلى إعادة بناء دولة دمرها عقد من الثورة والحرب بتكاليف تقارب تريليون دولار (تكاليف مباشرة وغير مباشرة)، ودعا إلى إعادة توجيه وتحرير الاقتصاد الإيراني بشكل أساسي، إلى جانب الجهود الرامية إلى فك العزلة الدولية لإيران.

أدت الزيادات الهائلة في الإنفاق الحكومي والاستهلاك الخاص إلى زيادة التضخم، فاندلعت المظاهرات في عدد من المدن الإيرانية طوال هذه الفترة، حيث أثبت القطاع الخاص الإيراني تردده في الاستثمار.

كان على رفسنجاني التعامل مع المعارضة في الداخل، من اليسار الإسلامي الذي ظل متمسكا بالنموذج الاقتصادي المتمركز حول الدولة، حيث نظر إلى أي اعتناق للسوق الحرة كخيانة لمثل الثورة. بعد ثلاث سنوات طردهم رفسنجاني من البرلمان، ولكن المحافظين التقليديين أعاقوا فترة ولايته الثانية، وهذا أثبت أن ازدواجية القيادة تجاه الإصلاحات القائمة على السوق أعاقت قدرة إيران على المنافسة.