X

عبدالله الأعرج

صراع اللغات وهيمنة الأمكن!

الاحد - 26 يناير 2020

Sun - 26 Jan 2020

كنت أتميز غيظا من عمتي - رحمها الله - وهي تهزأ من ترجمتي لورقة الدواء التي تأتي في العبوة، والتي كانت تكتب باللغة الإنجليزية بالكامل آنذاك، ولم يكن السبب حينها أكثر من أني ما زلت بالسنة الأولى بقسم اللغة الإنجليزية بالجامعة وإمكاناتي اللغوية متواضعة جدا، الأمر الذي لم يكن شافعا لي لدى عمة تؤمن بأهمية الإنجليزية وتتذمر من قدرتي على الترجمة منها إلى العربية!

ولن أنسى مشاهد من ذاكرة الطفولة وأنا أسترجع ذكريات بعض العوام من كبار السن ممن فاتهم قطار التعليم وهم يقفون في محلات بيع قطع غيار السيارات الأمريكية تحديدا، وهم يطلبون من البائع الربر rubber والسويتش switch والكتاوت cutout والدينمو dynamo وغيرها من الكلمات الإنجليزية أصلا وفصلا!

ثم مضت الأيام واتسعت المفاهيم وبتنا نعلم يقينا أن اللغة هوية وهوى في آن واحد، فأصبحنا نفخر باللغة العربية لغة القرآن الكريم وحافظة ديوان العرب وتراثهم، بل إننا تقدمنا كثيرا في ذكر تفرد اللغة العربية وتميزها في تراكيبها اللغوية structure ونظامها الصوتي phonology وعلمي المعاني semantics والبراقماتية pragmatics ولسان حالنا - ونحن محقون - أن اللغة العربية هي خير لغات الدنيا على الإطلاق، وأكثرها قدرة في إيصال المقصود، وفك رموز المتشابه والبعد عن الترادف، فكل لفظة بذاتها مقصودة ونحو هدفها مصوبة.

وماذا بعد؟ وكيف للغة بهذا القدر والقدرة البنيوية ألا تهيمن على لغات العصر؟ بل إنها جاءت في آخر تقرير في المرتبة الخامسة بمجموع 422 مليون متحدث، أي أقل من نصف مليار، منهم 290 مليون متحدث رسمي أصلي و132 مليون متحدث ليسوا من أهلها، في الوقت الذي سبقتها الماندرين الصينية بـ 1.1 مليار، فالإنجليزية بـ 983 مليون، فالهندية بـ 544 مليونا، فالإسبانية 527 مليون متحدث، وهي (أي اللغات الأربع مجتمعة) تقطع في نطاق جغرافي أصغر بكثير القطر الذي تنتشر فيه الأقاليم التي تتحدث العربية من الخليج إلى المحيط!

السر إذن ليس فيما تغنى به حافظ إبراهيم حينما قال: وكم عز أقوام بعز لغات، وإنما في ضده تماما، أي: كم عزت لغات بعز أهلها، وهو الأمر الذي لا يحتاج إلى أدلة قوية، ففي الوقت الذي كانت فيه العربية لغة الأقوى صناعيا والأقدر اقتصاديا والألمع تقنيا وعلميا، كانت هي لغة الأرض lingua franca في الأندلس وأوروبا بقطاعاتها الثلاثة، بل حتى بلاد فارس وما وراءها، نظرا لاستمكانها بمعامل القوة الحياتية، وعلى رأسها المال والأعمال والعلوم والمعارف.

وها هو (ديفيد كريستال) اللغوي الإنجليزي نجم زمانه يؤكد هذا الأمر في كتابه «الإنجليزية لغة الأرض» من أن أمجاد اللغات لا تتأتى من عناصرها الداخلية، مثل قوتها البنيوية أو إرثها الثقافي، بل هي نتاج قوة أهلها العلمية والاقتصادية والسياسية، وتأثيرهم الخارجي، ويؤكد الأمر نفسه (جو) الصيني، من أن الأمر لو كان معتمدا على العدد لكانت الماندرين الصينية الأقوى في العالم وليس الإنجليزية!

وبعد هذا فإن الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها مما تقدم في خدمتنا للغة العربية أن نسهم في أمرين مهمين: أولهما المشاركة في الحراك التنموي العلمي والاقتصادي الذي تشهده المملكة وفق رؤيتها، وأن نخلق من كل هذا منتجا عالميا بلغة العرب، فعز اللغة من تمكن أهلها، والأمر الآخر أن نستغل الفعاليات المتخصصة والجميلة، ومنها ملتقى مكة الثقافي ومبادرة كيف نكون قدوة بلغة القرآن، لتكون العربية منطلقا لأفكار تسوق لمنتجاتنا العلمية والتقنية والاقتصادية، وأن تكون مسابقات هذه الفعالية بشكل مركز لأفكار تحمل شعار «إعادة العربية إلى الصدارة عبر العلوم والتقنية المحلية»، ولا سيما أن بعض المشاركات للأفراد والمنظمات التي تركز على استرجاع أمجاد العربية البنيوية لن تصنع فرقا كبيرا في إعادة ترتيب موقعنا في الخارطة اللغوية الحديثة في أنحاء المعمورة.

dralaaraj@

أضف تعليقاً

Add Comment