أماني يماني - مكة المكرمة

تحولت إيران إلى لغز كبير منذ انطلاق الثورة الخمينية قبل 41 عاما، هزت العالم بتصدير أيديولوجيتها المتطرفة، ورعت الميليشيات المسلحة من لبنان إلى الخليج، وأزعجت الشرق والغرب بتحدي المعايير الدولية، رفضت كل الأيدي الممدودة لها، وتحولت إلى مركز عالمي لرعاية الإرهاب، وبات نظامها الحالي مصدر قلق لشتى سكان المعمورة.

يرى مركز أبحاث بروكنز ومعهد الولايات المتحدة للسلام أن الثورة الإيرانية التي اندلعت عام 1979، وشكلت منعطفا مهما في تاريخ المنطقة، مرت بـ 5 مراحل حاسمة، أسهمت بشكل كبير في عزل طهران عن العالم، وجعلها في حرب مستمرة مع مختلف الدول.

المرحلة الأولى



  • الفترة: فترة الخميني من 1979 حتى وفاته في 1989.


  • ملامحها: فترة مضطربة كان شعارها التطرف الثوري الذي شمل قتل مؤيدي النظام القديم، واحتجاز الأجانب كرهائن، وتعزيز الفتنة في جميع أنحاء العالم.




تفاقمت الاضطرابات بسبب حرب استمرت 8 سنوات مع العراق أثبتت أنها أكثر الصراعات دموية في الشرق الأوسط.

المرحلة الثانية


  • الفترة: تزامنت مع فترتي الرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني، من 1989 حتى1997.


  • ملامحها: تم استبدال الحماس واللعب على عواطف الناس بأهداف براغماتية تخدم النظام، حاول السير بعيدا عن سياسة الوالي الفقيه والإبحار ضد رجال الدين، لكنهم سعوا طويلا لإسقاطه.




المرحلة الثالثة


  • الفترة: بين عامي 1997 و2005 مع الحقبة الإصلاحية للرئيس محمد خاتمي، الوزير السابق في مجلس الوزراء الذي كان يمتاز بالخيال الذي استفاد من الانفتاح السياسي.


  • ملامحها: حسنت الحكومة العلاقات مع شعبها وكذلك العالم الخارجي، وكان لدى إيران، بصورة مؤقتة، صحافة أكثر حرية، وخطاب أكثر حرية، ونقاش أوسع، وقيود اجتماعية مريحة ومجتمع مدني، وبنهاية فترتي خاتمي، نشأ انشقاق سياسي بين النظام الذي يرأسه المرشد الأعلى والحكومة التي يرأسها الرئيس.




المرحلة الرابعة


  • الفترة: بين عامي 2005 و2013 مع رئاسة محمود أحمدي نجاد، حين فاز رئيس بلدية طهران غير المعروف بانتخابات مفاجئة على رفسنجاني.


  • ملامحها: عكس ظهور المتشددين ثلاثة تحولات أوسع: خيبة الأمل من السياسة سيطرت على الكثيرين ودفعت الشباب الإيراني والنساء إلى مقاطعة الانتخابات، غضب الرأي العام ضد رجال الدين، خاصة رفسنجاني، بسبب الفساد وفشله في تحسين حياة الإيرانيين العاديين في ربع قرن، وبدأ الجيل الثاني من الثوريين في تحدي رجال الدين.




المرحلة الخامسة


  • الفترة: بدأت بانتخاب الرئيس حسن روحاني عام 2013.


  • ملامحها: قام بحملة على منصة «الأمل والحكمة» لإنهاء الأزمات الاقتصادية وحل الأزمة الدولية، مواجهة البرنامج النووي الإيراني، ومثل روحاني صعود الواقعيين والمركزيين في كل من السياسات الخارجية والداخلية، لكنه زاد الأمر سوءا ومواجهة مع القوى العالمية.




السياسة الداخلية

على الرغم من التغيرات، تزايدت التشققات السياسة الإيرانية بشكل متزايد، وكثرت الأحداث والاضطرابات ومثالها بحسب معهد الولايات المتحدة للسلام:


  • في أوائل الثمانينات، كانت إيران دولة ذات حزب واحد، حيث سيطر حزب الجمهورية الإسلامية على جميع فروع الحكومة، لكن الاقتتال سرعان ما أصبح خطيرا لدرجة أن الخميني وبخ مسؤوليه علنا.


  • بعد ثلاثة عقود من الثورة، كان لإيران أكثر من 200 حزب وفصيل وجماعة سياسية.


  • شهد عمق الفجوة بين الثوار الأصلي بعد الانتخابات الرئاسية عام 2009، حين اتهم مير حسين موسوي، رئيس الوزراء الذي قاد إيران طوال الحرب الإيرانية العراقية، النظام بتزوير هائل في خسارته لأحمدي نجاد.


  • خرج الملايين إلى الشوارع في 2009 للمطالبة بإعادة فرز الأصوات نيابة عن موسوي، واندلعت الاضطرابات بشكل متقطع لعدة أشهر، وحذر موسوي علنا من أن الجمهورية الإسلامية تتحول إلى دكتاتورية يقودها في الأعلى الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي كان كرئيس لزميل موسوي في إدارة الحكومة خلال الثمانينات.




السياسة الخارجية

المواجهة مع العالم الخارجي ليست سوى الجولة الأخيرة، التي ولدت تجربة طويلة من الشكوك العميقة والكراهية نحو الأجانب، وأدخلت طهران في لحظات عصيبة.

كانت بلاد فارس القديمة محورية لحملة الإسكندر الأكبر في الهند في القرن الرابع قبل الميلاد، ومن ثم تم غزو بلاد فارس من قبل الأتراك في القرنين 11 و16 و18. تم غزوها من قبل جيش جنكيز خان المغولي في القرن الثالث عشر وتامرلين في القرن الرابع عشر، وتحولت الأسرة الصفوية فعليا إلى التشيع في القرن السادس عشر بعد نحو 900 عام من ولادة الشيعة في خلق هوية منفصلة.

في القرن العشرين، احتلت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إيران، وكان الممر الفارسي أكثر طرق الإمداد حيوية لمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، فنشر نحو 40 ألف جندي أمريكي في إيران لإبقاء رابط القطار مفتوحا.

وبعد الحرب كانت إيران أول أزمة للأمم المتحدة الجديدة عندما رفض السوفيت الرحيل، وفي عام 1946، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا يدعو موسكو إلى سحب قواتها من شمال إيران، وأدى الإنذار الذي وجهه الرئيس هاري ترومان إلى جوزيف ستالين بشأن إيران إلى ظهور صداقة أمريكية إيرانية جديدة عمقت بثبات حتى الثورة، لكن الحرب الباردة اللاحقة كانت لها جذورها في هذه المواجهة.

معركة النفوذ

كانت المعركة ضد النفوذ الأجنبي أساسية في الحملة الإيرانية للتمكين على مدار القرن الماضي. اندلعت الثورة الدستورية 1905-1911 بعد أن أسقطت الملكية تنازلات سياسية واقتصادية لبريطانيا وروسيا، وأثار رد الفعل العنيف حالة من عدم الاستقرار لفترات طويلة وأجبر سلالة القاجار في 1906 على قبول المطالب المتعلقة بالدستور والبرلمان، وكلاهما حد من صلاحيات الملك.

وكان لإيران الدستور والبرلمان الثاني في آسيا، بعد الإمبراطورية العثمانية، انتهت الجولة الأولى من الإصلاحات السياسية عندما استولى كولونيل في الجيش على السلطة عام 1925 وتوج نفسه ملكا، وأخذ اسم بهلوي، وغير اسم البلد إلى إيران، وأطلق التحديث السريع، واضطر للتنازل عن المشاعر المؤيدة للنازية عام 1941.

عام 1953 مرت إيران بموجة ثانية من النشاط الديمقراطي، فتحدت حكومة منتخبة برئاسة رئيس الوزراء محمد مصدق الشاه الثاني والأخير بهلوي، الذي تأثر بشدة أيضا بالقوى الأجنبية. فتحالف مصدق المكون من أربعة أحزاب دعا إلى الديمقراطية الدستورية وصلاحيات محدودة للملكية، وأرادت تأميم النفط الإيراني بعد أن رفضت شركة النفط الأنجلو-إيرانية عقد تقاسم الأرباح بنسبة 50-50. محاولة الشاه لإقصاء مصدق جاءت بنتيجة عكسية، أجبر رد الفعل العاهل الملك على الفرار إلى روما، واستعادت القوى الأجنبية الملكية، نظمت المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات البريطانية أعمال الشغب التي أجبرت مصدق على الخروج من السلطة، وسمحت للملك الشاب بالعودة إلى العرش لمدة ربع قرن آخر.

كانت ثورة 1979 امتدادا للتحديين السابقين، حيث ما زال الكفاح ضد النفوذ الأجنبي يحدد المواجهة بين إيران والعالم، عندما يدعو العالم الخارجي إلى التعاون فإن عديدا من الإيرانيين يرون فيه محاولة لإقناعهم أو إجبارهم على التوافق مع الطرق والأخلاق والتأثير الغربي.

العلاقات الأمريكية

منذ الثورة، كانت المواجهة الإيرانية مع العالم محورية بشكل أساسي في الولايات المتحدة، وبدأت طهران تنظر إلى واشنطن على أنها العدو النهائي. اشتبه الثوريون في مؤامرة أخرى قامت بها وكالة المخابرات المركزية لإعادة الملك إلى العرش.

في تحد للقانون الدولي، رد الطلاب الإيرانيون بالاستيلاء على السفارة الأمريكية في دراما استمرت 444 يوما. كانت محنة 52 رهينة أمريكية مسؤولة إلى حد كبير عن إنهاء رئاسة جيمي كارتر بعد فترة ولاية واحدة. وفي منتصف الثمانينات من القرن الماضي كانت الصفقة المزدوجة بين إيران وأمريكا بتبادل الأسلحة والرهائن ساعدت إيران في إطلاق سراح ثلاث رهائن أمريكيين في لبنان من أجل الحصول على ثلاث رهائن آخرين أكبر فضيحة لإدارة ريجان، كانت إيران شوكة في حلق جميع الرؤساء الأمريكيين الستة الذين حاولوا معرفة كيفية التعامل مع طهران.

الصراخ العالي

عام 1979 أطلقت إيران على الولايات المتحدة اسم «الشيطان الأكبر»، وفي عام 2002 وصفت إدارة بوش إيران بأنها جزء من «محور الشر». وحاولت الدولتان التواصل، وغالبا ساد الاشتباه في أن الآخر لن يتنازل، وضاعت فرص التقارب على الأقل.

خص الرؤساء الأمريكيون إيران بالذكر في الخطب المهمة، في خطاب تنصيب الرئيس جورج دبليو عام 1989 عرض بوش «مشاركة جديدة» للعالم، لكنه قدم عرضا خاصا لإيران، حيث ذكر أن الأمريكيين محتجزون ضد إرادتهم في أراضٍ أجنبية، ويمكن إظهار المساعدة هنا، فحسن النية يولد حسن النية. وحسن النية يمكن أن يكون دوامة تتحرك إلى ما لا نهاية.

بعد الإعلان عن جائزة نوبل للسلام عام 2009، قال الرئيس أوباما إنه يجب «مشاركتها مع كل من يسعى إلى العدالة والكرامة من أجل المرأة الشابة التي تسير في صمت في الشوارع مطالبة بحقها في أن تُسمع، ولم يذكر اسمها، لكن الإيرانيين عرفوا أنه كان يشير إلى ندا آغا سلطان، الموسيقية الطموحة البالغة من العمر 26 عاما، التي أطلق عليها الرصاص في أحد شوارع طهران خلال الاحتجاجات الانتخابية عام 2009. وتم بث فيديو موتها الدامي في جميع أنحاء العالم.

لقاء بعيد المنال

بحلول نهاية رئاسة أحمدي نجاد في منتصف 2013، وصلت التوترات بين واشنطن وطهران إلى آفاق جديدة بسبب الشكوك حول النوايا النووية الإيرانية على المدى الطويل، ودعم الميليشيات العراقية والأفغانية التي تستهدف القوات الأمريكية، ونفي أحمدي نجاد للهولوكوست وانتهاكات حقوق الإنسان.

بدأ الأمر يتغير بعد انتخاب روحاني عام 2013. أثناء زيارة للأمم المتحدة بعد أسابيع فقط من توليه منصبه، أجرى محادثة هاتفية قصيرة مع الرئيس أوباما. في غضون أشهر أطلقت إدارته دبلوماسية مع القوى الست الكبرى في العالم: بريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والولايات المتحدة لحل الأزمة النووية. وفي 2015 بعد 20 شهرا من الدبلوماسية الشديدة، أعلنت إيران وما يسمى بـ 5+1 اتفاقا.

خلال المفاوضات، قضى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وقتا مع بعضهما أكثر من أي مسؤول أجنبي كبير آخر، ومع ذلك لم يكن الاتفاق النووي علامة على التقارب الرسمي بين طهران وواشنطن. وأصر البلدان على أن تجديد العلاقات لا يزال بعيد المنال.