ثم إن الله قد منّ على الناس بعد طول انتظار وتم فتح أبواب مطار جدة الجديد، للذاهبين والقادمين، واستبشر الناس خيرا وبدؤوا يتفكرون في أيام مضت، وكيف كان مطار جدة شرحا عمليا لمن لا يعرف معنى عبارة «وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب».

وذهب بعضهم إلى أنه سيحتفل بهذه المناسبة السعيدة بأن يسافر إلى جدة حتى لو لم تكن له فيها حاجة، فالمطار سيصبح مزارا سياحيا يزار لذاته وليس مجرد محطة عبور.

وتذكر بعضهم أحبتهم الذين رحلوا عن الدنيا قبل أن يستمتعوا بلحظات الهبوط والإقلاع من المطار الجديد، ولعل هؤلاء يكتفون بالدعاء لأحبتهم وهم يستمتعون بصالات المطار ذهابا وإيابا، فدعاء المسافر مستجاب.

لكن العابرين من هذا المطار التحفة الفريدة بدا لهم وكأن شيئا لم يتغير، فالتغير كان في المظهر أما الجوهر فلم ينله كثير من التغيير، فالكادر البشري كان معضلة المطار السابق وما زال هو معضلة المطار اللاحق، وحينها عرف هؤلاء أن المبنى لم يكن هو سبب الضيق والكدر اللذين كانا يصيبانهم أثناء مرورهم بالمطار القديم، وأن الأمر ربما يكون أكبر من مجرد شكوى من مبان صماء لا تفقه ولا تعقل ولا تشعر.

وهذه حقيقة تصلح في كل شيء وعن كل شيء، فلا يحبط الإنسان ويكدر مزاجه إلا إنسان مثله، أما بقية الكائنات الحية والجمادات فإنها بريئة من هذه التهمة براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

ثم إن ذلك لم يبد كافيا لراحة المسافر، فقررت هيئة الطيران المدني أن تبحث عن راحة المسافر بشكل أكبر وأوسع وأشمل من مجرد ضيق عابر، ورفعت رسوم المواقف في المطار أضعافا مضاعفة، حتى إن المسافر قد يدفع قيمة لموقف سيارته أضعاف ما دفعه قيمة لتذكرة الطائرة التي ستحلّق به بعيدا عن هذه الصالة الظالم أهلها.

وقد يكون في ذلك وسيلة لإشعار المسافر بأن تذاكر الطيران ليست باهظة الثمن، وهذه طريقة ذكية في الحرص على راحة المسافر من خلال تعزيز صحته النفسية، وتقوية مناعته المالية ضد نوائب الدهر وصروف الليالي.

وعلى أي حال..

كثير من الجهات تتلذذ بزيادة الرسوم، وتجد متعة في أن يشتكي منها الناس بدلا من شكرها، وهذا أمر معجز ومحير. وقد دفع الناس الرسوم على مضض لكنهم حين يجدون خدمة تستحق فإنهم قد يتقبلون ذلك ويدعون الله ويسألونه أن يعوضهم خيرا مما دفعوا، أما حين يكون الأمر حشفا وسوء كيلة، فإنهم سيغيرون قليلا في كلمات دعائهم بما يتناسب مع الموقف. فاللهم آمين.

agrni@