أماني يماني - مكة المكرمة

ألقت السلطات السويدية في نوفمبر الماضي القبض على إيراني بسبب تورطه في قتل آلاف السجناء السياسيين.

أعطى الاعتقال أملا جديدا للناجين وعائلات الضحايا، الذين قضوا عقودا من الزمان خلف القضبان دون محاسبة الجناة، لكن الحماس حول آفاق العدالة لم يدم طويلا.

في أعقاب هذه القضية التي نقلتها وسائل الإعلام العالمية يواجه الإيرانيون المزيد من الانتهاكات والأحكام الصارمة للسجناء، والتعسف والقهر ضد أي محتج يحاول أن يبدي رأيه، بينما فشل المجتمع الدولي في اتخاذ الخطوات اللازمة لوقف ذلك.

وحشية الحكومة

تقول صحيفة واشنطن بوست الأمريكية «بعد أسبوع من الاعتقال في السويد اندلعت في إيران احتجاجات ناجمة عن الارتفاع المفاجئ في أسعار البنزين، وردت الحكومة بالقوة وسقط عدد من الضحايا بسبب ردة الفعل الوحشية للحكومة. وأشارت التقديرات إلى مقتل أكثر من 450 بريئا، مع وجود أعداد لا حصر لها من المصابين».

وقال مسؤول إيراني إنه تم اعتقال أكثر من 7000 محتج. وبدأت أنباء التعذيب ضد المحتجزين وغيره من ضروب سوء المعاملة. وأعلنت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية أن المعتقلين سيواجهون تهم الإضرار بالأمن القومي التي تكون عقوبتها الإعدام.

وفي 2018 جاءت إيران في المركز الثاني بين أعلى دول العالم في عمليات الإعدام. وهناك مخاوف مشروعة من أن يقيم البلد نفسه حفلة إعدام جماعي دون محاكمة عادلة.

مذبحة تاريخية

في الواقع هناك سابقة تاريخية يجب أن تكون مدعاة للقلق، حيث حدثت مذبحة السجن في عام 1988 عندما انتهت الحرب بين إيران والعراق للتو بوقف لإطلاق النار توسطت فيه الأمم المتحدة،. وكانت إيران، التي أُجبرت على إحلال السلام مع صدام حسين، حريصة على تعزيز قبضتها على السلطة والقضاء على المعارضة والتخلص مما اعتبرته معارضة خطيرة.

تبعا لذلك أرسل الآلاف من الأشخاص الذين كانوا يقضون عقوبة في السجن - غالبيتهم من أتباع مجاهدي خلق المعارضين ـ إلى عمليات إعدام جماعية سرية أو بإطلاق النار عليهم.

وفي عام 1988 كانت الحكومة على استعداد لتجاهل القانون وارتكاب جرائم القتل الجماعي بفعالية باسم توحيد النظام. وتكرر تجاهل القانون في 2009 عندما احتج المتظاهرون على نتائج الانتخابات المتنازع عليها، ومرة ​​أخرى في ديسمبر 2017 عندما اندلعت الاحتجاجات على الظروف الاقتصادية والفساد في جميع أنحاء البلاد. المخاطر نفسها تبدو واضحة وموجودة في الاضطرابات الحالية التي صرخ خلالها المتظاهرون «يسقط الديكتاتور».

ردود عنيفة

تقول مجلة فورين بوليسي «عندما استيقظ الإيرانيون عند الفجر ووجدوا أن أسعار الغاز ارتفعت بنسبة 50%، خرج الآلاف من الناس في 100 مدينة وبلدة إلى الشوارع للاحتجاج وفوجئوا برد الفعل العنيف. أطلق النظام العنان لقوات الأمن وقمع المتظاهرين.

وفي اليوم التالي أغلق الانترنت، وعندما تمت استعادة الخدمة بعد أيام ظهرت تقارير عن أعمال القتل الوحشية والاعتقالات. وفي غضون أيام في نوفمبر تم اعتقال الآلاف وقتل المئات، ونفى مسؤولو النظام المسؤولية، وبدلا من إظهار جبهة موحدة، سرعان ما تحولوا بعضهم على بعض».

ورأت أن الاحتجاجات الإيرانية إلى جانب تبادل الأسرى المفاجئ مع الولايات المتحدة خلال عطلة نهاية الأسبوع، يمكن أن يمثلا بداية فصل جديد في السياسة الداخلية لإيران، حيث كانت المظاهرات الأخيرة أكثر انتشارا وكان الرد عليها أسرع وأكثر عنفا من العقود السابقة.

عشية الاحتجاجات بدا حكام إيران أكثر تماسكا من أي وقت مضى، فعلى مدار أشهر عدة كانت حملة «الحد الأقصى من الضغط» ضد البلاد التي تشنها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وهي سياسة تركز في معظمها على الضغط السياسي والعقوبات الاقتصادية، جمعت بين مراكز سلطة النظام والكتل السياسية.

عزل وتحد

بعد فترة وجيزة من بدء الاحتجاجات أعلن المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي، أنه اتبع نصيحة «الخبراء» بشأن تعديل دعم الوقود، بينما أعلن الرئيس حسن روحاني، الذي كانت مدخلاته حاسمة في خطة إزالة الدعم، الجهل بشأن توقيت الإجراء.

وتعارض ادعاء روحاني على الفور مع رئيس البرلمان علي لاريجاني، حيث أعلن الأخير منذ ذلك الحين أنه لن يسعى لإعادة انتخابه لمنصبه، مما زاد من الشكوك حول أنه سيخوض الانتخابات بدلا من روحاني في 2021 عندما تنتهي ولاية روحاني الثانية وبموجب أحكام الدستور.

في هذه الأثناء كانت هناك بعض الدلائل حول عزل روحاني لإبقائه في السلطة التشريعية في ظل تغيير الدعم المقبل، وتعرضت الحكومة لانتقادات شديدة لتورطها في التواطؤ إن لم تكن مسؤولة عن قتل المحتجين.

الانقسامات الداخلية

توفر هذه الانقسامات الخلفية لموسم الانتخابات في إيران، حيث بدأ المتنافسون يسجلون ترشيحاتهم للانتخابات البرلمانية المقررة في فبراير المقبل. ومن المؤكد أن الاقتتال الداخلي أكثر من المعتاد، خاصة فيما يتعلق بسياسة إيران الخارجية في عهد روحاني، وحالة اقتصاد البلاد، والمسائل الاجتماعية.

ومن المرجح أن يواصل المتشددون والمحافظون المجادلة بسذاجة روحاني عندما يتعلق الأمر بالنوايا الغربية وخاصة أن الولايات المتحدة قد وضعت البلاد على طريق الدمار، وسيتعين على المعتدلين الدفاع عن إرث خال إلى حد كبير، يهيمن عليه فشل الصفقة النووية واقتصاد السقوط الحر وقائمة مراجعة بالوعود غير المكتملة على جميع الجبهات الأخرى تقريبا. وستشير جميع الأطراف إلى الاستياء الشعبي، باعتباره علامة على أن نهج خصومهم السياسيين غير مستدام.

مواجهة أمريكا

على الرغم من أن مسؤولي النظام قد يكونون أكثر انقساما مما كانوا عليه منذ شهور بشأن الشؤون الداخلية، إلا أنهم يعتقدون أن عرض تلك الشقوق في الخارج لن يوفر سوى الذخيرة لأولئك الذين يريدون استهداف النظام،. بدلا من ذلك قد يضاعف النظام من اتخاذ إجراءات أكثر عدوانية ضد الولايات المتحدة وشركائها، مما يجعلها بمثابة إحباط للمعارضة في الشوارع.

معظم العلامات تشير بالفعل إلى هذا الاتجاه. فمن المؤكد أن الولايات المتحدة وإيران تمكنتا من تسوية نزاع دبلوماسي لأول مرة خلال رئاسة ترمب، فأطلقت إيران عالما أمريكيا احتجزته كرهينة، وأعادت الولايات المتحدة عالما إيرانيا متهما بانتهاك قانون العقوبات الأمريكي.

بعد ذلك توجه وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف إلى تويتر للإشارة إلى أن بلاده مستعدة الآن «لتبادل أسرى شامل»، مشيرا إلى أن «الكرة في ملعب الولايات المتحدة».

وعلى الرغم من أن هذا التبادل الأول يعد إجراء ضروريا لبناء الثقة، ويمكن أن يُظهر للجانبين أن الابتعاد عن المناصب القصوى يمهد الطريق لتحقيق نتائج مربحة للجانبين، لا يوجد تغيير كبير في مكان آخر في سياسات البلدين في الوقت الحالي، حيث صرحت الولايات المتحدة بأنها ستفرض مزيدا من العقوبات على إيران، وحتى مع قيام الطرفين بوضع اللمسات الأخيرة على تبادل الأسرى طالبت إيران بالضغط من تلقاء نفسها.

استمرار التحدي

ذُكر أن طهران سوف تكشف النقاب عن أجهزة طرد مركزي متطورة جديدة، مما يقلل من تمسكها بالاتفاق النووي لعام 2015، الذي تركته واشنطن في عام 2018، وإجبار أوروبا على اتخاذ موقف أكثر صرامة، مما يجعلها أقرب إلى الموقف الأمريكي.

وبعد بضعة أشهر هادئة بعد الهجمات الإيرانية على دول الجوار يبدو أن إيران والميليشيات التي تدعمها في العراق تعد نفسها لزيادة محتملة في النشاط. وعلى الرغم من أن الاقتصاد الإيراني يضر بشكل واضح، فمن المرجح أن يزيد الإنفاق الدفاعي للنظام إذا وضعت الميزانية المقترحة للحكومة في الوقت المناسب للسنة الإيرانية المقبلة، مما يوفر للحرس الثوري المزيد من الأموال لأنشطته.

المزيد من العداء

قد يكون من المناسب لواشنطن أن تشرع في العودة إلى آخر التطورات في إيران وتتطلع إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.

في الوقت الحالي يبدو هذا غير مرجح، خصوصا بعد مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني. وحتى لو استمرت الولايات المتحدة في الضغط، بدلا من ذلك، فمع ازدياد قلق النظام بشأن التهديدات الداخلية والخارجية المتصورة لوجوده، قد يختار مسارا أكثر إثارة للقلق: المزيد من العداء.

يجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لمزيد من العنف وانتهاكات حقوق الإنسان من قبل النظام في إيران والخارج. وعلى الإدارة أن تكون مستعدة لاستئناف محتمل للتوترات المشابهة لفصلي الربيع والصيف، عندما هاجمت قوات مدعومة من طهران منشآت إنتاج النفط والشحن في عدد من المناسبات.

كيف يتحرك العالم؟



  • على الأمم المتحدة أن تفعل المزيد، حيث أصدرت رئيسة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت بيانا قويا في 6 ديسمبر الماضي. ويجب أن تستمر هيئات الأمم المتحدة في ممارسة المزيد من الضغط.


  • يجب أن تصر المفوضية السامية لحقوق الإنسان على وجه الخصوص على السماح لمقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بإيران بالدخول إلى البلاد. الأمر نفسه ينطبق على خبراء الأمم المتحدة في مجال التعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء، والذين لديهم طلبات زيارات معلقة.


  • دعوة الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى عقد جلسة خاصة حول حقوق الإنسان في إيران، ولا يتم الانتظار حتى الجلسة العادية التالية في فبراير ومارس، حتى لا يتم احتجاز الآلاف وحرمانهم من الاتصال بمحام وغير ذلك من ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة.


  • يجب على الدول الأوروبية اتخاذ موقف قوي تجاه حقوق الإنسان، فقد أعلنت 6 دول أوروبية أنها ستنضم إلى اتفاقية انستكس، وهي آلية مقايضة تتحايل على العقوبات الأمريكية ضد التجارة مع إيران، مع الإشارة بالكاد إلى عنف وسائل القمع التي تمارسها الدولة الإيرانية، واستمرت محاولات إنقاذ الصفقة النووية.