أماني يماني - مكة المكرمة

طرح مركز العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة الأمريكية تساؤلا عن معنى إعلان إيران تعليق الاتفاق النووي الشامل، على خلفية التوترات التي شهدتها المنطقة مع الغارة الجوية التي قتلت قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني، وضرب إيران قاعدتين عسكريتين للتحالف الدولي في بغداد.

هل يعني القرار نهاية خطة العمل الشاملة التي وقعت قبل 5 سنوات وإطلاق العنان بمغامرات طهران النووية؟ أم إنه بداية موجة جديدة من التوترات التي قد تؤدي إلى مزيد من الهجمات المتبادلة والعنف؟

حاول تقرير مركز العلاقات الخارجية البحث عن عدة احتمالات مطروحة، وصولا لإجابة منطقية عن التساؤلات التي يثيرها المجتمع الدولي.

هل ماتت الصفقة؟

يقول التقرير إن الاتفاق النووي الذي وقعه براك أوباما مع إيران بمشاركة 5 دول أوروبية في 2015، فرض العديد من القيود على قدرة إيران في تخصيب اليورانيوم، وشمل ذلك عدد ونوع أجهزة الطرد المركزي التي يمكن تشغيلها، والمستوى الذي تستطيع فيه تخصيب اليورانيوم، والأبحاث التي يمكن أن تجريها لتطوير أجهزة طرد مركزي أكثر تطورا، لكن الإعلان الأخير يعني أن إيران لن تحترم تلك القيود.

ويرى المركز أنه بات واضحا أن الاتفاق تلقى ضربة جديدة، بعدما انسحبت الولايات المتحدة منه عام 2018، لكن هذا لا يعني أنه مات رسميا بعد، ويقول «يبدو أن إيران لاحظت أن جميع الخطوات المعلنة قابلة للعكس إذا عادت الولايات المتحدة إلى التنفيذ الفعال للصفقة، واختارت أيضا عدم إنهاء تعاونها مع المفتشين النوويين من الأمم المتحدة أو وقف مشاركتها في حظر الانتشار النووي، من الصعب بالتأكيد رؤية كيف يمكن أن تستمر الصفقة، خاصة مع زيادة التوترات بشأن مقتل سليماني، لكن من الناحية الفنية لا تزال قائمة».

قدرة أسلحة نووية

وفقا للتقرير، إذا بدأت إيران بتشغيل عدد صغير من أجهزة الطرد المركزي الأساسية الإضافية لتخصيب اليورانيوم في منشأة ناتانز، حيث يوجد لديها بالفعل ما يزيد قليلا عن خمسة آلاف، فلن يكون لهذا تأثير كبير، كما أن التوسع الطفيف في مخزون اليورانيوم المنخفض التخصيب لا يتجاوز 300 كجم التي تتطلبها الصفقة النووية، لكن إذا اتخذت إجراءات أكثر عدوانية، مثل توسيع استخدام أجهزة الطرد المركزي الأكثر تقدما مع زيادة مستويات التخصيب إلى ما يتجاوز الحد المتفق عليه وهو 3.67 %، أو تخصيب اليورانيوم إلى المستوى الذي يصعب الوصول إليه والخطير البالغ 20 % ستكون قصة مختلفة.

إن إعادة بناء مفاعل نووي يعمل بالماء الثقيل في منشأة أراك بناء على تصميم سابق، والذي تم إيقافه أيضا بسبب الصفقة النووية، سيمنح إيران في نهاية المطاف القدرة على تطوير ما يكفي من البلوتونيوم لصنع قنبلة أو قنبلتين في السنة، إذا كان إنشاء مرفق لإعادة معالجة البلوتونيوم.

عقوبات مؤجلة

عارض الأوروبيون انسحاب الولايات المتحدة من الصفقة النووية، وحاولوا جاهدين منعها، وكانوا يتراجعون إلى الخلف لإبقاء الصفقة على قيد الحياة منذ انسحاب واشنطن، وسعوا للحفاظ على التجارة مع إيران وأنشؤوا آلية «أنستكس» لممارسة أعمال محدودة مع طهران دون التعرض لخطر العقوبات الأمريكية.

جاء النفوذ الأوروبي محدودا، فعلى الرغم من الالتزام السياسي بالصفقة، فإن قلة من الأفراد والشركات الأوروبية أخطروا بفقدان الوصول إلى السوق الأمريكي والنظام المصرفي للقيام بأعمال تجارية مع إيران.

ويرى التقرير أنه إذا لم تعد إيران في الواقع تحترم القيود المفروضة على عملياتها النووية، فستكون هناك ضغوط على الأوروبيين لاستدعاء ما يسمى بآلية snapback لعقوبات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة المنصوص عليها في الاتفاق النووي.

ومع ذلك، سيكون تأثير مثل هذه الخطوة محدودا، لأن الأوروبيين لا يشترون النفط الإيراني ولا يكادون يقومون بأي عمل مع إيران على أي حال بسبب العقوبات الأمريكية، وانتقد الزعماء الأوروبيون قرار إيران بالتخلي عن حدودها النووية، لكنهم غاضبون أيضا من الولايات المتحدة بسبب الابتعاد عن الصفقة في المقام الأول.

تصعيد خطير

صممت حملة «الضغط الأقصى» لإجبار إيران على التوقف عن دعم العنف والتدخل في المنطقة، والعودة إلى طاولة المفاوضات بعدما تحدث ترمب عن تصميم صفقة نووية أفضل ؛ وحتى الآن، لها تأثير معاكس، قد يكون لدى إيران موارد أقل للأنشطة الإقليمية، لكن هذا لم يمنعها من مهاجمة ناقلات النفط في الخليج العربي، ودعم متمردي الحوثيين في اليمن، ومهاجمة خطوط الأنابيب ومصافي النفط، وإسقاط طائرة أمريكية بدون طيار، ووجود وكلاء لها، واستهداف القوات الأمريكية في العراق.

يمكن إجراء مفاوضات جديدة دائما، ولكن في الوقت الحالي تشير جميع الإشارات بدلا من ذلك إلى تصعيد خطير ومزعزع للاستقرار بشكل متزايد، ويمكن أن تكون وفاة الصفقة النووية نتيجة أخرى غير مقصودة لمقتل سليماني.

الوضع الحالي للاتفاقية

يشير التقرير إلى أن اتفاقية إيران النووية تنهار، مما يزيد من خطر عدم وجود قدرة نووية على إيران فحسب، بل وأيضا بسبب صدام عسكري في الخليج العربي، فبموجب الاتفاقية قامت طهران بتفكيك الكثير من برنامجها النووي ومنحت المفتشين الدوليين وصولا واسع النطاق إلى منشآتها في مقابل التخفيف من العقوبات الاقتصادية.

ولتمديد فترة الانهيار، يتطلب الاتفاق تقييد تخصيب اليورانيوم في ناتاز وفرودو، وجعل مفاعل الماء الثقيل في أراك غير صالح للعمل؛ ويخشى أن تكون منتجات P5 + 1 التي تنتجها البلوتونيوم، تمت إعادة معالجتها إلى مواد من صنع الأسلحة، والآن يتم إعادة استخدام هذه المنشآت لأغراض البحث أو الأغراض الصناعية أو الطبية، وتخضع للتفتيش من قبل المراقبين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة.

وتبدو المخاوف واسعة من عودة العمل في هذه المنشآت ومنع المفتشين من الوصول إلى المنشآت النووية، والتحذير من احتمال تطوير أسلحة نووية سرا في مواقع غير معلنة، مع الأخذ في الاعتبار أن العديد من أحكام الصفقة النووية لها تواريخ انتهاء صلاحية، فبعد عشر سنوات على سبيل المثال، سيتم رفع قيود الطرد المركزي، وبعد خمسة عشر عاما، ستفرض قيود أيضا على اليورانيوم المنخفض التخصيب الذي يمكن أن تمتلكه، وكذلك وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع غير المعلنة.

تفتيش المواقع المشبوهة

ومن بين الأحكام المفتوحة التي تفرضها الاتفاقية، أن تلتزم إيران بتنفيذ بروتوكول إضافي يتيح لمفتشي الوكالة الوصول غير المسبوق إلى المنشآت النووية الإيرانية، وتصدر الوكالة تقارير ربع سنوية إلى مجلس محافظيها ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن تنفيذ إيران لالتزاماتها النووية، ووصف مدير عام الوكالة الراحل يوكيا أمانو الترتيب بأنه «أقوى نظام للتحقق النووي في العالم».

وتقوم هيئة معروفة باسم اللجنة المشتركة، تضم ممثلين عن جميع الأطراف المتفاوضة، بمراقبة تنفيذ الاتفاقية، وبرئاسة رئيس السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغريني، هي مسؤولة عن حل النزاعات، ويمكن لأغلبية أعضائها الوصول إلى مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للوصول إلى مواقع غير معلنة يعتبرونها مشبوهة.

تخفيف العقوبات

ظلت العقوبات الأمريكية الأخرى، التي يعود بعضها إلى أزمة الرهائن عام 1979، حتى بعد دخول الصفقة النووية حيز التنفيذ، وهي تغطي مسائل مثل إنتاج الصواريخ الباليستية، ودعم الجماعات الإرهابية المصنفة من قبل الولايات المتحدة، وانتهاكات حقوق الإنسان المحلية.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ملتزمة برفع العقوبات المفروضة على صادرات النفط، وتحرير إيران للتداول في الأسواق الدولية مرة أخرى، إلا أن قيودها على المعاملات المالية بقيت سارية، مما يمنع الكثير من التجارة الدولية مع إيران، وظلت العديد من البنوك والشركات الأخرى، بما فيها الشركات الأجنبية التابعة للشركات الأمريكية، حذرة من ممارسة الأعمال التجارية في إيران خوفا من تكبد غرامات أو منعها من التعامل في وول ستريت.

هل التزمت جميع الأطراف؟

في يناير 2016، صادقت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على أن إيران قد استوفت المتطلبات الأولية للاتفاقية النووية، بما في ذلك نقل آلاف أجهزة الطرد المركزي دون الاتصال بالانترنت، مما يجعل قلب مفاعل أراك للماء الثقيل غير صالح للعمل، ويبيع فائض اليورانيوم منخفض التخصيب لروسيا.

منذ تلك الشهادة، والمعروفة باسم يوم التنفيذ، علقت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة عقوباتها، ومن ذلك الحين، قامت الوكالة بتتبع حالة امتثال إيران، والأهم من ذلك أن الولايات المتحدة توقفت عن تطبيق العقوبات الثانوية التي استهدفت قطاع النفط، مما سمح لإيران بزيادة صادراتها النفطية إلى المستوى الذي كانت عليه قبل العقوبات، كما قامت الولايات المتحدة بتجميد بعض الأموال التي تم الاستيلاء عليها من إيران.

امتلاك قنبلة نووية

وصلت التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإيران إلى أكثر من 20 مليار يورو سنويا قبل الانسحاب الأمريكي من الصفقة النووية، ولكن الخوف من العقوبات الأمريكية أبقى العديد من الشركات الأوروبية الكبرى خارج الأسواق الإيرانية.

وعند الإعلان عن انسحاب أمريكا، اعترض ترمب على فشل الاتفاق في معالجة برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية أو الحرب بالوكالة في المنطقة، وأكد أن أحكام الصفقة ستمكن إيران من امتلاك قنبلة في المستقبل.

وفي أعقاب الانسحاب الأمريكي، واصلت دول عدة، من بينها حلفاء الولايات المتحدة، استيراد النفط الإيراني بموجب إعفاءات منحتها إدارة ترمب، واستمرت إيران في الوفاء بالتزاماتها، ولكن بعد عام، أنهت الولايات المتحدة الإعفاءات، وقال البيت الأبيض «هذا القرار يهدف إلى رفع صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر، وحرمان النظام من مصدر دخلها الرئيس».

نقطة تحول

كان حظر تصدير النفط نقطة التحول بالنسبة لإيران، التي قالت إنها لم تعد ملزمة بالتزاماتها طالما أن الأطراف الأخرى تنتهك التزاماتها، وفي يوليو 2019، تجاوزت طهران الحدود المتفق عليها لمخزوناتها من اليورانيوم منخفض التخصيب، وبدأت بعد ذلك في تخصيب اليورانيوم إلى التركيز العالي المستخدم في النظائر الطبية، والتي لا تزال أقل بكثير من النقاء البالغ 90 %المطلوب للأسلحة.

في أعقاب الغارة الأمريكية بطائرة بدون طيار والتي أسفرت عن مقتل سليماني، وعدد من قادة الميليشيات العراقية المدعومة من طهران، أعلنت إيران أنها لم تعد تحد من تخصيب اليورانيوم، لكنها لن تطرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في البلاد، وأصدرت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة بيانا مشتركا يدعو إيران إلى العودة إلى الامتثال، وقالت طهران إن الباب ما زال مفتوحا للمفاوضات مع الشركاء الأوروبيين.

انهيار الاقتصاد

مع عودة العقوبات الأمريكية ونهاية الإعفاءات انخفضت صادرات النفط الإيرانية إلى 300 ألف برميل يوميا أو أقل، بعدما وصلت مع الاتفاقية إلى 2.1 مليار برميل يوميا، وتوقع صندوق النقد الدولي أن ينخفض ​​الناتج المحلي الإجمالي لإيران بنسبة 9.5% في العام الحالي، بعد انكماش بنسبة 4.8% في 2019.

تخشى الشركات متعددة الجنسيات أن تتحمل مسؤولية التعامل مع العديد من الكيانات الخاضعة للعقوبات، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، الذي يسيطر على بعض الصناعات، بعدما أصبح تهريب الأسواق السوداء أكثر طلبا، مما أثرى الحرس على حساب الاقتصاد النظامي.

ويعد الفساد وسوء الإدارة والشيخوخة عوائق كبيرة أمام الشراكات الدولية مع إيران، مما أدى إلى الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، مما ساهم في احتجاجات واسعة النطاق خصوصا بعد ارتفاع أسعار البنزين والغاز، وبلغت البطالة 12%، وهي منتشرة بشكل خاص بين النساء والشباب.