إن الحروب الصليبية قدمت مفهوما جديدا كاملا للعقل الجمعي العالمي وهو «حروب الدين». وما زالت هذه الحروب تندلع من وقت إلى آخر منذ قرون. وكان الأخصائيون قد حاولوا جاهدين إعطاء تفسيرا لتلك الحروب. ومما لا شك فيه أن أولئك الأخصائيين والخبراء قد أرجعوا السبب وراء الصراعات للدين. وبمعني آخر، أشار الخبراء ضمنا إلى أن المصالح الأنانية والطمع في الأرض والسلطة لم يكن لها دخل، وأن الأنا ظلت السبب الحقيقي للحروب وهو السبب الذي بقي خفيا.

وعلى الرغم من ذلك، لم تكن الحروب الصليبية ولا الحروب الكبيرة الأخرى والتي تركت أثرا عميقا في العالم، نابعة من الدين. لم يكن الصليبيون سوى مجموعة من البلطجية المتعطشين للدماء والذين لم يكن لهم أية صلة بالدين المسيحي ذي الطبيعة المسالمة. فلقد كانوا أصحاب نوايا خبيثة ويطمعون في الأرض. وفي الحقيقة فإن المدن التي عانت أكثر في ظلهم هي المدن المسيحية نفسها.

إن الشرق الأوسط لم يكن مختلفا وفقا لهذا التوصيف، فنجد أن اللاعبين وراء الحروب الكبرى في المنطقة لم يهتموا إلا بمصالحهم الذاتية، وعلى الرغم من الادعاء بأن حروب الشرق الأوسط يقف خلفها الدين، فإن الحقيقة مغايرة تماما. فالأطراف المختلفة لهذه النزاعات كانوا في الغالب اتباع للأنظمة البعثية والتي سعت إلى تطبيق الأيديولوجية الماركسية في الشرق الأوسط.

إن النزاع السني/‏ الشيعي والذي استمر بلا توقف ولقرون طويلة في الشرق الأوسط، لم يكن في الحقيقة سوى تعبير متنكر عن المنافسة بين الجماعات العرقية المختلفة والتي تسعي جميعا لزيادة نفوذها وبسط قوتها وسيطرتها علي الموارد الطبيعية وطرق التجارة الهامة. وإلى أن ظهرت الجماعات الراديكالية، لم يكن هذا النزاع طائفيا. بل على العكس من ذلك، تم استخدام الطوائف المختلفة كوسيلة لبث الكراهية وتوفير الأرضية الخصبة للحروب.

إن تقرير 2014 لمعهد السلام والاقتصاد ربما يساعدنا علي شرح الموقف بشكل أفضل، فالتقرير أظهر أن الدين لم يكن السبب الرئيسي للنزاعات المسلحة الـ35 في 2013. ووفقا لهذا التقرير فإن تلك النزاعات كانت لها صلة بمشاعر عدائية للحكومة والحركات الانفصالية والانقسامات الأيديولوجية وتوزيع الموارد الطبيعية.

والتقرير يشتمل أيضا على تحليل إحصائي للقضية: هل تقرر نسبة الاعتقاد الديني والإلحاد السلام في البلاد؟ وبناء على هذا التحليل الرقمي، فإن ثلاث دول من بين كل عشر مسالمة تعد دينية بشكل كبير. ففي 11 دولة من عدد 25 والتي ترتفع فيها نسبة السلام، فإن 90% من السكان فيها قد عرفوا أنفسهم بالمتدينين. أما بقية الدول الأقل سلمية فكانت السمة الغالبة فيها الأقل ديمقراطية. أما في الدول التي يعد فيها الإلحاد سياسة للدولة، كانت مشاهد النزاعات الخطيرة والتوتر فيها حاضرة.

ويبقى السؤال هنا، «بالنسبة للدول المسلمة، هل الانتشار الديمغرافي للسنة والشيعة يقرر السلم؟» لقد أظهر التقرير أنه لم تكن هناك علاقة حقيقية بين السلم والخلافات الطائفية. على سبيل المثال، نجد أن قطر التي يوجد بها 85 % من السكان هم من السنة، و15 % فقط من الشيعة، كان تصنيفها الرقم 11 من بين الدول المسالمة، بينما أفغانستان التي يوجد فيها نفس النسب اتضح أن المشهد فيها هو حرب مطلقة..

«هل يمكن للدين أن يلعب دورا إيجابيا في بناء السلام»؟ وهذا السؤال يعد السؤال الرئيسي للدراسة كلها. بناء على التقرير، أن المؤسسات الدينية تعزز بدورها السلم. وبعبارة أخرى، لكي يكون هناك سلم دائم ومؤثر في العالم، فإنه من الأهمية بمكان أن يعمل أهل الدين جنبا إلى جنب لتقوية أواصر الصداقة والتحالف فيما بينهم.

ويختتم التقرير المستند إلى تحليلات رقمية إحصائية، بإشارة فكرية مستفزة: «إن الدين ليس هو المسبب للحروب، ولكن الطريقة المثلى لإيقاف الحروب تكمن في التحالف بين الأديان. فإن كان أولئك الساعين إلى حل يريدون السلام حقا، فعليهم أن يبدؤوا في الاهتمام بمفردات صناع السلام الحقيقيين التي تدعو إلى العودة إلى جوهر الأديان.