X

بركة يقابل بركة جيل محبط ينتصر لأحلامه

الاحد - 21 فبراير 2016

Sun - 21 Feb 2016

فاز فيلم بركة يقابل بركة من إخراج السعودي محمود الصباغ بجائزة اكومينكيل بمهرجان برلين أمس الأول بجانب الفيلم الأفريقي «الذين يقفزون» من إخراج أبوبكر واستيفان وموتيز. قراءة للفيلم ثمة تأس عميق يبثه المخرج محمود صباغ في ثنايا فيلمه الروائي الطويل «بركة يقابل بركة»، والذي عرضه الأسبوع الماضي كأول فيلم سعودي روائي طويل (84 دقيقة) يعرض بمهرجان برلين السينمائي الدولي. تأس على الراهن الذي يعيشه جيل مشوش بين حياة مفقودة وأخرى راهنة مضطربة، أحلام تتوالد وخيبات تتكابد، شباب محبط أمام محظورات المجتمع ونظام إدارة الشؤون البلدية ونظرة التيار الديني المتشدد، يقول بطل الفيلم وهو يحدث نفسه في ديالوج داخلي حميم، أو يحدث والده المسن المقعد والصامت على الدوام «نحن عايشين في دولاب، جيلنا كله عايش في دولاب ما نقدر ننفك من عجلته». عبر مشاهدة خاصة، يسرد الفيلم في لغة سينمائية متزنة، وفي غير سوداوية، أو مباشرة فجة تغزل حبكته، لتقدم نسيجا دراميا رصينا، مبتعدا عن التشكي التراجيدي، أو الكآبة المفتعلة.. لكنها لغة مليئة بالسؤال والرفض، تلتقط صورة بانورامية لحياة شاب وفتاة، يمثلان شريحة واسعة لشباب الطبقتين السائدتين في مجتمع مدينة جدة: الوسطى الكادحة والثرية المنعمة، أو بلغة أخرى: المشاهير والمتابعون، ليتنقل الفيلم بين مكوناتهم الثقافية المتباينة. شخصيات ومصائر بركة عرابي (الممثل هشام فقيه): شاب في بداية حياته العملية، يقطن في حي شعبي، ويعمل في البلدية موظفا ميدانيا، يتلقى التعليمات من إدارتها لملاحقة المخالفين للأنظمة، ولأنه ابن حارة يظهر مدى تسامحه أو تردده في أن يطبق النظام بصرامته، أو أن يراعي مبادئه الإنسانية التي تشربها في حارته، ولأنه أيضا عضو وممثل في جمعية المسرحيين، فهو مليء بالحس الجمالي الممتزج بمشاعر حميمة وبتكوين نفسي عفوي تعززه نزعته الدينية المعتدلة، التي نستشفها من وضعه للمصحف على «تابلوه» سيارة البلدية التي يستعملها في تنقلاته. تجمع بركة علاقة صداقة مع أحد أبناء الحارة الأصيلين «دعاش» (الممثل سامي حنفي) الدائم على نصحه وتوجيهه بحس فطري، وانتقاده لشخصيته المحجمة عن اتخاذ قراراتها المصيرية، ولا يخلو نصحه من طرافة ابن البلد البسيط البعيد عن قلق العصر.. ولكن من هو بركة الذي قابله بركة؟ بيبي حارث (الممثلة فاطمة البنوي): عارضة أزياء، نجمة انستقرام، لديها مليون معجب، ممن يتابعونها ويكيلون لها كلمات الإعجاب و»اللايك»، وهي مشغولة طوال الوقت بتصوير نفسها «سيلفي» لتنقل إليهم تعليقاتها ونصائحها، وبالتالي ينتقل المشاهد المتأمل إلى ذلك العالم الافتراضي وحقيقة أنه أصبح واقعا معاشا بحيوية تضاهي حيوية العالم الحقيقي، عالم يركن للتثوير الحلمي للشباب ويجلب من لهاثهم الملايين من الريالات، أبطال في تقاطع دائرتي الواقع والحلم، يمنحهم الحضور الوهمي في فضاء المهمشين الفاقدين للقيمة شيئا من القيمة، أو من اللا قيمة بالأصح، إلا من وهم متابعة فتاة ليس لها من مواصفات النجومية سوى الحظ والإمعان في ممارسة اللعبة الإعلامية الالكترونية، ومن ثم الظهور لأولئك الذين أوجدوا لأنفسهم حياة بديلة. عالم تشكل في ضبابية وصنع نجوما بعيدين عن آلة الإعلام التقليدي محاولة منهم للإفلات من قائمة المنع والإحباط التي تحيط بأعناقهم. حبكة متزنة تتنقل مشاهد الفيلم بين عمق المدينة، بيوتها وفضائها وبحرها الواسع.. يقول البطل في لحظة مواجهة «البحر بحر ربنا، حقنا كلنا»، وفي مشهد آخر ينساب مقطع من أغنية «ما أحلى أن نعيش في بيت واحد ما أحلى أن نكون في وطن واحد»، ويقف البطل في مشهد ثالث أمام لوحة تبين جملة من الممنوعات لمن يرتاد البحر، يقف مشدوها لثوان، نتأمله ونشعر بما يشعر، وفي نقاش حاد مع أحد أصحاب المقاهي التي يريد بركة أن يخضعها لشروط إدارة البلدية بإزالة الكراسي من على الرصيف، يقول صاحب المقهى «أنتم تخنقون الفضاء العام، تتركون تيارا أحاديا ينفرد في الشارع ثم تبكون على نمو الإرهاب والتطرف». إشارات يبثها الفيلم بخفة ويمررها في غير مباشرة، لتفضي لأحقية المطالبة بأن يعيش الجميع في حمى التسامح دون مضايقات قوانين مفروضة، ورغم ذلك تأتي لحظة تنوير ساطعة، بعدما طبق بركة بصفته موظف البلدية تنفيذ إغلاق المقهى، يبث حديثه لصديقه دعاش «اليوم أقفلت مقهى، مو واجب ولا وظيفة، لا، كأني مبرمج..نحن بنتسامح مع أشياء كثيرة ماهي منطقية في حياتنا، والمنع الزايد دا تراه غلط». خطوط الفيلم هكذا يمضي السرد الفيلمي في خطوط أفقية عدة متوازية ومتقاطعة، بما يجعل لسرده جاذبية تتجنب تسرب الملل للمشاهد، وتأخذه في تماه سينمائي كرسه المونتاج المنضبط الإيقاع دون رتابة أو إطالة وفق زمنية محسوبة، سواء للقطات العابرة الموحية، أو للمشاهد المكتملة الأساسية. كاميرا تتنقل برشاقة في زوايا تصوير متناغمة، وأماكن مختارة بعين حساسة عبر ميزانسين متكامل ومشغول بعناية لكل مفردات اللقطة، وضمن كوادر وإطارات مريحة للفرجة، مليئة بلغة السينما البصيرة التي اشتغل عليها مدير التصوير «فيكتور كريدي» بوعي وفنية ضافية، خاصة في تصوير الأماكن الخارجية: الشوارع والبحر والحارة، لتسهم بشكل بالغ في إيصال المعاني والدلالات البصرية المكملة لحكاية الفيلم. إلى جانب ذلك تخلص المخرج وكاتب القصة محمود صباغ من ضوضاء الموسيقى التصويرية غير اللازمة، ولم يستخدم المؤثرات الموسيقية إلا في لحظات معينة، باختيارات «زيد حمدان» و»مي وليد»، لتضيف إلى المشاهد بعدا صوتيا ممتعا، ولتمعن في تخيل المشاهد وتمنحه دفقة شعورية تحيله إلى التماهي مع أجواء الفيلم المدعوم بأداء طبيعي من جميع الممثلين، رغم أنهم لم يمثلوا من قبل في أي عمل. حدوتة برسم المفاجأة من هذه الخطوط المتقاطعة يبدأ المشاهد في لم خيوط قصة بركة والفتاة بيبي التي يراها صدفة وهي خارجة من عملها في بوتيك «كراكوزة» للأزياء، والذي تمتلكه وتديره مدام ميادة، سيدة الأعمال المتسلطة والمعتدة بذاتها والعصبية دائما، وتلفت بيبي انتباه بركة. تستمر الأحداث في حبكة متزنة، وفي حوارات دالة بلهجة جداوية أصيلة، حتى يدخل بركة في عالم بيبي. يأتي بلاغ من البلدية عن شغر مكان عام، ويكلف بركة بتقصي قيام مجموعة من الشباب بالتصوير في ذلك المكان، وعندما يذهب إلى الموقع يفاجأ بأن التصوير لإعلان دعائي وأن بطلته هي نفس الفتاة التي شاهدها تخرج من البوتيك. يلتقي بركة ببيبي في معرض فن تشكيلي، وتبدأ علاقتهما في التطور لتصل إلى مرحلة الحب. ونتعرف على تفاصيل أكثر عنهما، نفاجأ بأن بيبي حارث ليست ابنة مدام ميادة، إنما ابنتها بالتبني، وواقعة تحت سيطرتها بشخصيتها المأزومة، فميادة لم تنجب، وعملت على استغلال بركة ليأتي لها بالداية سعدية (الممثلة خيرية نظمي)، وهكذا عالجت الداية سعدية مدام ميادة بوصفة للحمل. وفي المقابل فإن بركة المتردد وغير القادر على اتخاذ قراراته، يلجأ إلى الداية سعدية أيضا، فتمنحه وصفة سحرية تجعله أكثر جرأة وإقبالا على ما يريد، بما في ذلك من إشارة إلى لجوء المجتمع للسحر والشعوذة. مكاشفة تنتصر للذات تتصاعد الأحداث وتصل مرحلة عدم التحمل عند بيبي، فميادة تغار من شهرتها، وتسعى لتجيير تلك الشهرة لمصلحتها الخاصة عبر مشغلها. يتفاقم الاحتقان بينهما إلى أن تأتي القشة التي قصمت ظهر العلاقة: ترتدي بيبي صدرية، فترى ميادة أنها تشوه تصميم فستانها. يحتد الخلاف، وتقرر بيبي أن تخرج من عالم ميادة، ولا تجد سوى بركة لتنفجر أمامه رافضة واقعها وحياتها المرهونة في قبضة امرأة متسلطة. تتأزم العلاقة بين الحبيبين، وفي مشهد فانتزي رائع يتخيل بركة أثناء أدائه بروفات المسرحية أنه «هاملت» ويراقص حبيبته «أوفيليا»، يتخيل ذلك ويلاقي حبيبته وقد قررت الانعتاق من سجنها، وفي ذات الوقت ينتصر بركة على نفسه ويقرر أن يواجه مخاوفه، لقد أصبح أكثر جرأة. يلتقي الحبيبان بروح جديدة، روح تود أن تنتصر لأحلامهما، وتكشف بيبي لبركة أن اسمها الحقيقي هو أيضا «بركة»، وأن بيبي اسم الشهرة، وأن ميادة ليست أمها، وأنها أعلنت ذلك على متابعيها في الانستقرام، وهكذا يفهم معنى عنوان الفيلم (بركة يقابل بركة).