خلال الأسبوع الماضي تزاحمت لدي ثلاث قصص حية لأصدقاء أفاضل يحكون بعض تجاربهم العملية الناجحة والمفيدة، ولا أريد هنا نثرها لكثرة تفاصيلها وعدم اتساع الحيز المقالي لها، ولكن اجتمعت في جميع هذه القصص أنهم كانوا يرددون أنهم لم يتوقعوا يوما أن يصلوا لما وصلوا إليه من حيث الإنجاز والنجاح.

الصورة والقالب الذي يتناوله عادة الإنسان في التفكير من خلال قصص الناجحين أن هناك أهدافا مرسومة واستراتيجيات توصلك لتحقيق تلك الأهداف، وفي النهاية قد تصل أو تقترب من أهدافك، ولكن يكون لديك هدف وبطريقة غير متوقعة على حد تعبيرهم تجد أنك حققت إنجازات تجاوزت كثيرا تلك الأهداف المرسومة، أمر يدعو للابتسام والتأمل.

لا يمكن للإنسان الساكن أن تتهاطل عليه الإنجازات كسفا من السماء، كما أنها لا تمطر ذهبا أو فضة، فسنة الله في كونه خالدة، والحقيقة أن الناس أيضا يتفاوتون في طريقة أدائهم للعمل من حيث الاتجاه أو الجهد المنفذ، فضلا عن الكيفية الذكية التراكمية التي قد تختصر جهودا وأوقاتا كثيرة، وخلال هذه القصص الملهمة المتنوعة لمحت اجتماع ثلاث مهارات أو مواصفات، وليست هي الوحيدة التي تجعل الإنسان يصل لأماكن لم يكن يتوقع وصولها، ولكن أذهلني اجتماعها كصفة موحدة لديهم ووجدت أنها تستحق التثريد.

الأولى، عدم تهيّب الإنجاز، فالوصول لعتبة باب الإنجاز يبدأ بعدم تهيبه والإيمان الجازم بتحقيقه، والدافع الملهم لرسم الإنجازات واتساع حوافها هو أن يكون ضمن مدركات التحقيق وليس قناعات مؤجلة، وأن هناك قدرة تستوفي فعل ما فعله أصحاب الإنجازات وما لم يفعلوه، ففيك انطوى العالم الأكبر، فقط اجعل هذا التفاعل الكيميائي النفسي يعتمل داخلك وستجد نفسك على مشارف ميادين فسيحة من الإنجازات.

الثانية، تضاؤل دافع المكافأة المشروطة، فارتباط الإنجازات والمبادرات بدائرة تقدير الآخرين وتراكم هذا الدافع مع الزمن يجعل الدوافع الذاتية السامية يخبو بريقها وتتضاءل مساحتها، فضلا عن تشكل فكرة أن السعي والإنجاز يكون مبعثهما ماديا مشروطا بحتا. والشاهد هنا ليس عدم البحث عن تلك المكافآت، إنما كيف يمكن للإنسان أن يجمع معها دوافع أخرى توازن تلك النزعة المشروطة، وكذلك تضفي عليها بريق الرفاهية الروحية والنوعية.

فلمسة البركة في الإنجاز الذي يكون دافعه ساميا ومتجها نحو السماء أو إضافة في الكون ليس كالذي كان دافعه مكافأة مشروطة، تأمل سير أصحاب الإضافات الكونية وستجد ملامح الدوافع السامية في الأغلب تشكل تضاريس أفكارهم وأعمالهم.

الثالثة هي مهارة التركيز، فمع كثرة الأعمال والنشاطات التي يقوم بها الفرد ومع كبر حجم المسؤوليات وتزاحم الاهتمامات أصبحت الحاجة ملحة جدا لتنمية مهارة التركيز.

كثير من الإنجازات لم تبلغ تمامها وعندما نفتش فيما وراء عدم الإتمام نجد أن التركيز لدى صاحبها كان في حالة ليست بالجيدة، هي ليست بالمهارة السهلة التي تجعل الفرد يحبس جميع المؤثرات الأخرى عند الانشغال في مهمة ما.

ورغم أهمية هذه الصفات الثلاث وتفاعلها المستمر، إلا أنها قد لا تمنع من حدوث نكاية النفس التي تحدث مع ملل العطاء أو عدم فهم الآخرين لما تقدم أو الشعور بقلة المستفيدين أو الشعور بتكرارية القوالب التي تقدمها وفي الأغلب ستجدها مع استمرارية العطاء، وذائقة المنجز النوعي في الأغلب لا تحب الرتم المكرر لأنها تجترح طريقة التفكير المتجدد، وفي بعض الأحيان تتجه بشكل تلقائي إلى سؤال النفس: لماذا لا أقف؟ أنفث عن يسارك ثلاثا وأكمل المسير وقد تردد يوما أنك لم تكن تتوقع أن تصل لمثل ما وصلت إليه.

@fahdabdullahz