احترام مشاعر مصابة كتلك التي تذوب حزنا على فقد أنفس من غير ذنب في لحظات أمر تستوجبه النفوس الإنسانية المستقيمة وأعراف العالم البشري أجمع، خاصة عندما تكون الدائرة ضيقة بكون التراب واحدا والوطن واحدا والعرق واحدا والدين واحدا. فلا جميل لأحد ولا فضل لأحد حين يبدي مشاعر اتحاد مع نفسه تجاه إخوة وأبناء وطن مصابهم عظيم، بل هو الواجب والشرع والعرف والخلق والوطنية.

وحين نفرغ من هذا الأمر البدهي نجد أنفسنا في مهب أمرين أكل الدهر عليهما وشرب:

الأول: تباين وجهتي نظر في منهجية شريعة بين فريقين ليست في أصل الأمر مدعاة لفرقة ولا لحقد ولا كراهية ولا بغض، إلا بما أضاف إليها جيل عن جيل من الجهتين من بهارات الاستنصار لما لا داعي له، فأخذ أكثرنا برأس حبل يجره إلى أين لا يدري!

الثاني: استحضار تاريخ وإن قرب عن موجة فكر ظهر فيها بمراجعة أهلها ومقتنعيها خطأ بعض تأصيل وانحراف جزء تنفيذ، وتمسك بفروع عن أساسيات تناست الآخر وحرضت عليه، في غياب توقع نتائج وعدم اعتدال تمييز.

وحين ذاك ورغم أهمية هذين الأمرين، إلا أن لوكهما والدوران معهما تأجيجا وتفريخا وشدا وجذبا ذهابا وجيئة لا ينبت زهرا ولا يهدي إلى لقاح وقاية، في الوقت الذي لا نراوح فيه مكاننا نبدأ ثم نمشي فنعود لنبدأ حتى نمل ونترك فنصحو على فاجعة.

وجهة نظري: حان الوقت لأن يشيع في المراس المؤسسي والثقافة الوطنية مبدأ (الحقوق) من باب الإلزام والحزم والجزم لا من باب نافلة القول والتثقيف الاختياري.

حق للإنسان أن يحيا وحق للمسلم أن يحمى، وحق للمواطن أن يعيش وحق للناس أن لا تخاف، وحق لكل من ولي كلاما أن يكف لسانه عن خلق الله تعالى، وأن لا ينال من غيره في غياب صاحب شأن لما يدافع عن نفسه أو يأخذ الحق منه.

حان الوقت لالتزام الجادة التي تجمع الجميع وجوبا من كل: معلم وخطيب وكاتب وإعلامي وداعية ومفكر ومثقف وفنان وسياسي ومسؤول وعامي، نساء كانوا أم رجالا، في جنوب البلاد وغربها وشمالها وشرقها ووسطها على حد سواء.

فإصدار الحكم من غير (القاضي) سخف، وإصدار الفتوى من غير (الاستفتاء) فوضى، وإصدار الخبر من غير (توثيق) كذب، وإصدار الاتهام من غير (دليل) ظلم، ثم إن إصدار الأمر من غير (سلطان) حمق.

وغير ذلك، فالتاريخ مليء بالشواهد على أنه ما شاع في أمة سب وشتم وقذف ولعن وتحقير واستخفاف وإفك من بعضهم إلى بعض إلا عنتوا عيشا وتحملوا شقاقا.

وفي اعتقادي لو ترك بعضنا بعضا يعيش بسلام لتركنا عدو خارجي أو داخلي نعيش بسلام، لأنه سيفقد سلاح زرع الفتنة.

لنا ولله الحمد والمنة دولة وملك ونظام وقانون ومؤسسات تنفيذ، ليس في أي من هذا الذي حبانا به ربنا ولو نصف سطر من مكتوب ولا مسموع ولا مقروء ينال من إنسان الوطن عرقا أو مذهبا أو شكلا أو سكنا، ولذلك أنصفوا واعدلوا.

إذن ما بال أفراد وعينات منا تنبري من غير تكليف ولا أصل مهمة ولا سابق استعمال لأن تحكم على هذا وتجرم ذاك وتفسق آخرين، وتسم ثالثا بالزندقة ورابعا بالتطاول وخامسا بالبدعة وسادسا بنطق الكفر أو به، وتخوّن هذا وتحرض على ذاك؟

لأول مرة أتأكد من أن (اللقافة) طريق للعوج.

albabamohamad@