يقول أحد مدربي لينكدإن التعليمية إن المهارات الناعمة (soft skills) هي تلك المهارات التي يبحث عنها مديرك ومدير مديرك. ولن نستغرب هذا إذا علمنا أن المهارات الناعمة هي كل تلك المهارات الخفية التي تعنى ببناء الإنسان القادر على تحمل المسؤولية والتعامل مع مقتضيات الحياة اليومية على مختلف الأصعدة الشخصية والاجتماعية والوظيفية.

ومصطلح المهارات الناعمة أصبح يتردد كثيرا في الفترات الأخيرة، ويركز على المهارات الأساسية التي ترتبط بقدرة الشخص على التأثير والتفاعل مع الآخرين، وعرض أفكاره بصورة مقنعة ولبقة، وقدرته على التواصل والحوار، واستخدام السلوكيات القيادية، وروح المبادرة، وتكوين فرق العمل والتعاون معها، ومهارات التفاوض والإقناع وتقديم الذات، والذكاء العاطفي، وغيرها من المهارات التي لا يمكن أن تتأكد من وجودها لدى الشخص إلا بعد أن تتعايش معه وتراها في أدائه وتعاملاته.

وترتبط المهارات الناعمة ارتباطا قويا مباشرا بتميز الشخص وثقته في نفسه، وتمكنه من النجاح في إدارة ذاته ومواقفه. ومثل هذه المهارات - عزيزي القارئ - لا يمكن أن تكتسب بقراءة كتاب أو بدراسة مقرر فقط، إنما هي مهارات تغرس كما تغرس النبتة الصغيرة في أرض خصبة، ثم تتعهدها بالرعاية والتدريب والتطوير حتى تصبح جذورها جزءا أصيلا في الفرد.

وتأثير المهارات الناعمة يتجاوز نجاحات الفرد الشخصية وتميزه، حتى تؤثر إيجابا على نجاحاته في عمله ومجتمعه، فمؤسسات الأعمال، وميادين الإدارة لا يمكن أن تقتنع بموظف يمتلك عددا من الشهادات البراقة التي تذكر أن صاحبها حاصل على بعض المهارات الصلبة المعرفية أو التقنية التي اكتسبها داخل الفصول الأكاديمية، ثم لا يمتلك القدرة على التعامل والتواصل برقيّ مع زملائه ورؤسائه، أو لا يستطيع أن يتولى عملا أو منصبا قياديا يرسم فيه رؤية، أو يصنع قرارا، أو يحقق إنجازا!

وما أكثر ما يصادف المؤسسات تلك الشخصيات الهروبية التي قد لا ترفض العمل الروتيني اليومي، لكنها تفر من تولي المسؤولية وتحملها فرارها من الموت، وتذوب معالم الشخصية لديهم تماما عند أول موقف وظيفي حقيقي، ويختفي لمعان شهاداتهم عند أول منعطف يواجهون فيه مشكلة إدارية، وقد تتساءل وقتها عن شهادات أحدهم ومعدلاته، كيف اكتسبها؟ وفيم استثمرها؟!

ونعلم بدهيا أن المؤسسات لا تريد إلا الموظفين الناضجين فكريا، المؤثرين بسلوكهم وقدراتهم، الممتلكين مهارات القيادة والتواصل الفعال. ولا أعتقد أن شركة ما ستوظف شخصا فقط لأنه خريج الجامعة الفلانية، وإنما لامتلاكه مهارات تحتاجها تلك الشركة.

لكن الغريب أن بعض المؤسسات الحكومية، وكذلك بعض الأفراد ما زالوا يركزون على المسميات البراقة للجامعات والتخصصات وغيرها، وإذا كنا نحتاج إلى تلك الأسماء البراقة فعلا، فنحن أكثر احتياجا للموظف البراق الذي تتسامى لديه مهاراته الشخصية الناعمة مع قدراته المعرفية، فيصبح نجما براقا في سماء مؤسسته. ولعل ما يجعله كذلك يكمن في تطوير مهاراته الناعمة التي ترتقي بمستويات الثقة والإنتاجية والتميز. والأكيد أن ثمارها، وكل ذلك البريق الوظيفي منها سيجنيه الموظف، وعمله ومديره، ومدير مديره.