الناس تختلف كثيرا في ذوقها ونظرتها للحياة، ومن ذلك فلسفتها في السفر، شخصيا لا أحب أن أسافر لمدينة زرتها من قبل، إلا في حالات ضيقة، بينما هناك من إذا عشق مدينة أدمن زيارتها. جزء من متعة السفر هو استكشاف المجهول Unknown، تذهب لمكان لا تعرف تفاصيله، ولا توجد خبرات سابقة لديك. وهذا يسمح بهامش كبير من المفاجآت في تواصلك مع الناس، والقوانين الجديدة، ونمط الحياة المختلف الذي يزيد من متعة السفر.

رغم أن أمريكا دولة واحدة، إلا أن دقيق الملاحظة سيجد فروقات بين كل مدينة، وتزداد حدة الفروقات حينما تتسع الرقعة الجغرافية بينها. هناك فرق كبير مثلا بين مدينة بوسطن في الشمال الشرقي وهيوستن في جنوب تكساس، هناك تفاصيل ولون في مينابوليس الباردة في الشمال وبين ميامي في أقصى جنوب فلوريدا. تقاسيم كل مدينة وملامح وجهها مختلفة. أكتب هذه الأحرف على مقعد طائرة في مطار ناشفيل الدولي متجها للعاصمة واشنطن دي سي، وبين المدينتين فرق كبير في الشكل واللون والذوق، بين ناشفيل موسيقى (الكونتري والكوبويز) وبين عاصمة السياسة والدهاء وصراع العروش!

لشيكاغو هواؤها الخاص، ولسان فرانسيسكو طعمها المختلف، ولا شيء يعدل قهوة مع من تحب في (فيضة) بالصمان لا يصلها الإرسال، أحيانا نحاول الاستمتاع بما هو متاح، لتسلية القلب وتشتيت (الشوق) من طعنة جديدة!

بعد أسبوعين سأزور مدينة أمريكية جديدة، مختلفة عن كل المدن الأخرى بشكل واضح: جزيرة هاواي التي اشتهرت بأن فيها أجمل شاطئ بالعالم وبجوها المعتدل طوال العام، ولأنها تجربة جديدة، لا بد من القراءة المكثفة لتقليل عنصر المفاجآت، ومن التعليقات الأولية التي تكررت في الانترنت يبدو أن شعبها لطيف جدا جدا، ومن أسباب لطف أهل هاواي قانون غريب اسمه: قانون (روح ألوها Aloha Spirit)، ومعنى كلمة ألوها باللغة الدارجة (مرحبا). هذا القانون الغريب (تحدثت عنه قناة البي بي سي) خلاصته أنه يجب أن يكون تعامل أهل هاواي بروح (ألوها) الطيبة، وأن يكون الاحترام المتبادل هو اللغة الدارجة في الولاية، ومن تفاصيل قانون ألوها أن تكون لطيفا من أعماق قلبك مع الكل، بمن فيهم السياح الذين ينقلون تجربتهم حول العالم، وهو ما صنع صورة جميلة في ذهن كل سائح عن هذا المجتمع ولطفه.

السعودية حالة استثنائية، لأن الدول تحرص على إدارة سمعتها وتحسين صورتها محليا وعالميا، لأن لذلك آثارا اقتصادية مفيدة إن أحسنت، ومدمرة إن أسأت، ولكن السعودية فوق هذا تعتبر مهد الإسلام، وكثيرون حول العالم الإسلامي ينظرون لكل سعودي من هذه الزاوية، بينما بقية العالم غير المسلم يعلم يقينا أن هنا قبلة المسلمين ومبعث الرسول صلى الله عليه وسلم.

أن نستحضر هذه الروح من منظور ديني ثم وطني ثم اقتصادي أمر هام لخوض غمار المستقبل.

أرجو أن نرى انعكاس مثل هذا على التعليم، وأن يدرس لأبنائنا مثل باقي دول العالم التي تدرس مثل هذه القيم، والأخلاق، ورقي التعامل.

قانون الذوق العام خطوة هامة في هذا الاتجاه، بقي أن نضمن أن يكون الاحترام واللطف هما السائد بين السعوديين والسعوديات، في المنزل وفي بيئة العمل وفي الشارع. عدم الاحترام والتقدير يؤثر على أداء الشخص. الباحثة كريستين بوراث Christine Porath التابعة لمركز أبحاث الإدارة، لديها بلغة العلم والأرقام إثبات لخطورة التهاون في مثل هذه الممارسات الاجتماعية علينا جميعا.

mhathut@