في الفترة الأخيرة قرأت كثيرا عن السعادة داخل بيئات العمل، وبصراحة لم تكن قراءتي إلا للبحث عن طرق ووسائل الارتقاء بمستويات السعادة المؤسسية وسعادة الموظف إن وجدت. فأعداد الساخطين وظيفيا، بمختلف المراتب والمسميات الوظيفية تتزايد يوما بعد يوم!

بحثت وتابعت مواضيع وبرامج كثيرة تتحدث عن السعادة المؤسسية، وما ازددت إلا رغبة في مواصلة البحث عنها، لما لها من انعكاسات إيجابية عظيمة، فحدود تأثيراتها تتعدى كل مدى حتى إنها لتؤثر على نجاح المؤسسات وتميز الإنتاجية والعلاقات فيها، وتزرع الثقة بين الجميع، وتحفزهم على العطاء والبذل.

لكني اليوم غيرت وجهتي وتساؤلاتي كلها، فبعد تعزيز السعادة المؤسسية، وجدت نفسي غارقة في استكشاف مسببات التعاسة الوظيفية - إن صحت التسمية - وأتساءل كثيرا لماذا يتكاثر الموظفون التعساء من حولنا؟ ولماذا ترتفع درجة السخط الوظيفي يوميا؟ وكأن هذه التعاسة وذلك السخط ما هما إلا فيروسات معدية سريعة الانتشار! وإذا كانت السعادة مؤشرا أساسيا لجودة الحياة الوظيفية، فعن أي جودة حياة نتحدث إن لم تكن تلك السعادة موجودة؟! إذ لا يمكن أن تكون هناك جودة حياة وظيفية مع وجود كميات التعاسة الوظيفية بين العاملين، حتى ولو أضفنا كل النكهات والألوان الاصطناعية لها!

ومسببات التعاسة الوظيفية - يا أصدقاء - أكثر بكثير من أن تحصر في مقال. ولعلي أستطيع التركيز على أبرزها هنا. فبعد مقابلات مع أكثر من 50 موظفا وموظفة بمراتب وظيفية تفاوتت بين قادة ورؤساء أقسام ومشرفين وإداريين، وسؤالهم عن أسباب تعاستهم الوظيفية، ربما تستغربون إن ذكرت لكم أنهم جميعا وبلا استثناء لم يتحدثوا إطلاقا عن الرواتب أو العوائد المالية. وهذا ما يجعلنا نقف كثيرا عند الأسباب الحقيقية والتركيز على بعض الأمور التي نغفلها أو نتغافل عنها دون إدراك منا أنها قد تكون سببا رئيسيا يهدم سعادة الموظف، ويبني تعاسته.

ومع إدراكنا للاختلافات المزاجية والنفسية للموظفين، إلا أن بعض الدراسات تؤكد أن التعاسة شعور سلبي ينشأ بسبب ممارسات وسياسات إدارية تنتهجها المؤسسة ومديروها. ومسألة السياسات والممارسات الإدارية هي تماما ما اتفقت عليه أغلب الردود التي وصلتني. ومنها أن الموظف يشعر أن مؤسسته لا تعطيه التقدير والاحترام المستحقين، بل وتنتزع منه الثقة انتزاعا، فلا يجد ما يكفيه منها في ممارسة عمله، فلا يمنح صلاحيات كافية، ولا يعطى مهام أكبر، بل يتم تهميش أدواره، وتجاهل مشاركاته!

وقد تتضاعف تعاسة الموظفين أيضا حين تعاملهم المؤسسة كأشخاص قُصّر، فلا تتواصل معهم ولا تبلغهم بالأخبار والقرارات الجديدة، بل تجعلهم رهن الإشاعات والأحاديث السلبية داخل المؤسسة.

وعلاج هذه التعاسة الوظيفية لا يُقصد به أبدا أن على كل مدير أن يتصنع الود والقرب من موظفيه، وهو يزودهم بجرعات التعاسة اليومية! إذ لا يمكن أن يكون هذا علاجا، بل هو سبب جديد لسخطهم! وسبب لضياع شخصيته وفقدان مصداقيته، وتردي علاقته معهم.

ولعلكم تتفقون معي في أن سببا واحدا فقط مما سبق كفيل بالقضاء على سعادة أي موظف، وبإتعاس أي فرد، فكيف لو اجتمع أكثر من سبب! إلا أن معرفة المؤسسة للأسباب دائما هي الخطوة الأولى إن أرادت إصلاحا.

@darifi_