عبدالله المزهر

جديد ولكنه لم يستحدث من عدم!

سنابل موقوتة
سنابل موقوتة

الأربعاء - 04 ديسمبر 2019

Wed - 04 Dec 2019

كل فئة أو جماعة من الناس لهم نظائر في كل عصر، يوجد كاذبون وصادقون وداجون وطيبون وأشرار وأغبياء وأذكياء ومجرمون وأبرياء ومنافقون ووصوليون ومنحرفون وساذجون وبلهاء ولا مبالون في كل عصر وفي كل حين، الذي يختلف أو يتغير من عصر لآخر هي الأدوات التي يمتلكها الإنسان لإظهار سلوكه للآخرين.

حين تظهر فجأة فئة من الناس لم تكن تسمع بها سابقا فهذا لا يعني أنها لم تكن موجودة، وأنها استحدثت من العدم، كل ما في الأمر أنها امتلكت أداة ووجدت مساحة ملائمة للظهور.

في هذا العصر أصبح متاحا لأي أحد أن يكون صوته عاليا ومسموعا، وهذه ميزة لم تكن متاحة بالشكل الكافي لفئات عديدة في العصور الغابرة من حياة الجنس البشري على هذا الكوكب المنحوس.

كان الأغبياء ـ على سبيل المثال ـ معروفين في دوائرهم الضيقة، يعرفهم أهلهم وبعض جيرانهم، وضررهم غير متعد، هم خطرون في محيط الشارع أو الحي أو القرية التي يعيشون فيها. خارج ذلك النطاق هم بشر عاديون لا أحد يهتم لوجودهم.

وكان الوصوليون والمرتزقة معروفين في دائرة حجّاب الخليفة وحراس القصر، يعرفونهم بسيماهم ولا يعرف الناس عنهم إلا بعض القصائد التي يتناقلها الرواة في نطاق محدود. يلقون القصيدة فيفرح الخليفة أو الوالي أو القائد ويسعد ويهديهم الجواري والضياع، ولا يستفز ذلك أحدا من الخلق لأنهم لا يعرفونهم ولا يستمعون إليهم وهم يكذبون من أجل دراهم معدودات، ولم يلاحقهم الشاعر بقصيدته في منازلهم.

حتى الشواذ والمنحرفون جنسيا كانوا موجودين، يمارسون رذيلتهم وانحرافاتهم بعيدا عن أعين «الأسوياء»، ليس خجلا بالطبع، فالحياء أمر لا علاقة بينه وبين الشذوذ، ولكنه خوف المجرمين، فالجريمة مرتبطة بالخوف والسرية منذ أن اخترعها الإنسان كوسيلة للتكسب.

وإلى عهد قريب كان «صناع الإشاعات» ـ وهم فئة موجودة منذ الأزل ـ يعانون كثيرا ويجتهدون في سبيل أن تكون الإشاعة مقنعة وقابلة للانتشار.

الآن تغيرت الأدوات، وأصبح الأغبياء في كل مكان، والغبي يتطوع من تلقاء نفسه وينشئ حسابا في وسائل التواصل لتصل رسالته للعالمين، ويقول للآخرين بثقة لا تخطئها العين: أنا غبي.

الوصوليون يعيدون نشر قصائدهم ومدائحهم وكذبهم الفج المفضوح المكشوف في كل زاوية، تغلق المذياع فيظهرون أمامك في التلفزيون، تقاطع التلفزيون فيصرخون من داخل جيبك.

صانع الإشاعات الآن لم يعد يحتاج أصلا إلى إشاعة مقنعة، أي إشاعة مهما كانت تافهة وغبية وساذجة يمكن أن تنتشر وتشيع بين العالمين في دقائق. انشر إشاعة بلهاء بين مليون شخص وسيصدقها في أحسن الأحوال ألف منهم. وهذا عدد كاف لم يكن يحلم به رواد صناعة الإشاعة السابقين.

الشاذون والمنحرفون أصبح ترويج شذوذهم سهلا يسيرا، بل إنه أسهل ما يمكن الترويج له في هذا العصر الذي أظن أن قوم لوط شخصيا لم تصل بهم البجاحة وسعة الوجه إلى الدرجة التي وصلت لها المنظمات التي تجرم الأسوياء الذين يرفضون الشذوذ.

وعلى أي حال..

أنتم تعلمون بالطبع أن العينات كثيرة، وأني لم أكن أنتوي الحديث عن فئة بعينها إلا من باب الاستدلال، وأنه لا شيء يستحدث من العدم. وعلى ذلك يمكن قياس أشياء كثيرة وسلوكيات عديدة، ومعرفة لماذا ظهر هؤلاء الآن ولماذا اختفى أولئك. ثم تذكروا أن البشرية ستفنى يوما ما، وهذا أمر باعث على الاطمئنان والسكينة.. فاطمئنوا والسلام!

agrni@

أضف تعليقاً

Add Comment