وبعيدا ـ ليس كثيرا ـ عن قصة التبغ والنيكوتين، لعله من المناسب أن تفتح ملفات «الغش» التجاري، وأنا هنا لا أعني الغش الواضح المكشوف الذي يعرفه كل أحد، لكن أعني فكرة استيراد أردى ما صنعه وأنتجه الإنسان في كل مكان في العالم لتكون السعودية في نهاية المطاف مكبا لنفايات العالم الصناعية.

والحقيقة أني مثلكم أسمع عن جهود وزارة التجارة وعن العمل الذي تقوم به هيئة المواصفات والمقاييس والجودة، ويعجبني الكلام كثيرا وأطرب له وأشعر برغبة في الرقصة لفرط إعجابي بما «أسمع» من أعمال تقوم بها الجهات الرقابية في جعل السوق السعودي نظيفا خاليا من البضائع الضارة المضروبة التي لا تصلح للاستخدام الآدمي.

لكن جولة صغيرة في المحلات التجارية التي تقبع في الشارع القريب من منزل أي منكم ستكشف لكم أن الشق أكبر بكثير من الرقعة، إنه الشق الأعظم الذي يمكن تسميته «الشق الأسود»، لأنه قريب من فكرة الثقب الأسود الذي يبتلع كل شيء.

البضائع المقلدة القادمة من دول الجوار ومن دول ما وراء البحار تنتشر بشكل لم يحلم به المصنعون، وحين تقرر أن تشتري جهازا كهربائيا ـ على سبيل المثال ـ فإنك ستجد صناعات من كل شكل ولون، وبعضها من الواضح أنها لن تصمد يوما واحدا خارج جدران المحل لفرط سوئها ورداءتها، من الصعب أن تضمن يقينا أن الذمة والضمير كانا على قيد الحياة أثناء تصنيع أو استيراد الشيء الذي ترغب في شرائه.

وهذا ينطبق على كل شيء تقريبا، من قطع الغيار إلى أدوات التنظيف والعطور، ويشمل الأجهزة والملابس وألعاب الأطفال وأغراض الكبار، لكن الكارثة الأكبر ـ وكل الغش كوارث ـ أن الغش والرداءة وصلا إلى المواد الغذائية، وفي كل بقالة من السموم المصنعة على هيئة غذاء ما يكفي لاعتبار بعض الأطعمة أخطر من التدخين وجميع مشتقات التبغ التي تحارب حربا لا هوادة فيها. بل إنها في بعض المنتجات «الغذائية» أخطر من تناول السم الصافي مباشرة. والكارثة تكون أكبر حين يطال الغش المنتجات التي يحبها الصغار، لدرجة أني على قناعة بأن تناول طفلي «لرأس معسل» ـ غير مغشوش ـ أقل خطرا من تناوله بعض الحلويات ذات الشكل الجذاب والصور الجميلة.

وعلى أي حال..

أتفهم فكرة الخطأ وارتكاب المعاصي كجزء من تركيبة الكائن البشري، لكن الذنب الذي لم أتفهمه مع أنه الأكثر اقترافا هو «جمع المال الحرام»، لأن كل الأخطاء يسهل التراجع عنها، إلا المال فإن وجود بعضه يغري بالمزيد منه، والتخلي عنه أصعب على الإنسان من نزع روحه من جسده. وحين يكون طريق المال هو إلحاق الضرر بالآخرين فإن ذلك ضرب من ضروب الإفساد في الأرض، ولا أجد فارقا كبيرا بين من يغش ـ تصنيعا أو استيرادا ـ في سلع استهلاكية تعرض حياة الناس للخطر وبين إرهابي يحمل حزاما ناسفا، ربما كان الفارق الوحيد أن الثاني واضح ومكشوف ويمكن اتقاء شره. أما الأول فإنه قد يكون قدوة ووجها اجتماعيا يفسح له في المجالس.

agrni@