أماني يماني - مكة المكرمة

انتفض الشعب العراقي. خرج الشباب في بغداد و9 مدن يعبرون عن غضبهم من السياسة الإيرانية الخبيثة التي اغتالت إرادة وطن، وحولته من دولة ذات سيادة إلى إحدى الوكالات الإيرانية في المنطقة.

برهنت الاحتجاجات التي تشل المدن العراقية الآن على رفض العراقيين للسياسات الإيرانية الخبيثة. قتل كثير من المتظاهرين على أيدي قوات الأمن التي أطلقت الرصاص الحي في قلب العراق بأوامر من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، وعبر تعليمات محددة من رئيس فيلق القدس قاسم سليماني.

تم القضاء على سيادة العراق فعليا من خلال الغزو الأمريكي عام 2003 ثم التوغل الإيراني، لكن فكرة الأمة العراقية ما زالت عزيزة لدى الشباب العراقيين في الشوارع، والذين كانوا يواجهون الرصاص لتأكيد استقلالهم.

فجرت الوثائق المسربة عبر موقع «ذا إنترسبت» حقائق مثيرة حول التوغل الإيراني داخل النظام العراقي، وكشفت فضائح مثيرة حول الجواسيس الإيرانيين. «مكة» تواصل نشرها تلك الحقائق لليوم الثالث على التوالي في حلقة أخيرة تكشف المزيد من الأسرار.

لعبة الشطرنج الدموية

كان غزو العراق عام 2003 بمثابة اللحظة التي فقدت فيها الولايات المتحدة السيطرة على لعبة الشطرنج الدموية، حيث سمحت الفوضى التي أطلقها الغزو الأمريكي لإيران بالحصول على مستوى من النفوذ في العراق كان مستحيلا عليها خلال عهد صدام.

الوثائق المسربة من وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، والتي حصل عليها موقع «ذا إنترسبت» الأمريكي الشهير، تعطي صورة غير مسبوقة عن مدى وقوع العراق في الوقت الحاضر تحت النفوذ الإيراني، وأن السيادة التي دوفع عنها من قبل القوميين العرب قد تآكلت دوما منذ الغزو الأمريكي.

الذئاب تنهش العراق

بعد مرور شهر على غزو الولايات المتحدة للعراق في مارس 2003 جلس طارق عزيز، أحد أكثر رفاق صدام حسين الموثوق بهم، في مكتبه في بغداد مرتديا زيا زيتونيا أخضر، وهو الرجل الذي عمل لعقود من الزمان كوجه علني للدبلوماسية العراقية ذات المخاطر العالية، وقدم تحليلا سياسيا ربما أعدمه في السنوات الماضية.

قال عزيز، وهو عراقي مسيحي وأحد الشخصيات البارزة في حكومة صدام «يمكن للولايات المتحدة الإطاحة بصدام حسين، ويمكنها تدمير حزب البعث والقومية العربية العلمانية»، لكنه حذر قائلا «ستفتح أمريكا صندوق باندورا لن يكون بإمكانها إغلاقه أبدا»، حسب قوله. كانت الطريقة الفعالة الوحيدة للتعامل مع قوات مثل القاعدة أو منع توسع النفوذ الإيراني في المنطقة.

عندما غزت الولايات المتحدة العراق احتجز عزيز في سجن موقت في مطار بغداد، وتوفي لاحقا في الحجز بنوبة قلبية في يونيو 2015، لكنه عاش فترة طويلة بما يكفي لمراقبة ما حذر من حدوثه، متهما الرئيس الأمريكي باراك أوباما بـ «ترك العراق للذئاب».

الحنين للاستبداد

ما زال العراق يكافح مع إرث سنوات من سفك الدماء الطائفي، وظهور جماعات جهادية عنيفة، وفساد واسع النطاق أطلقه الغزو والاحتلال الأمريكي.

في مواجهة هذه المأساة الوطنية يعبر بعض المواطنين عن الحنين إلى الاستقرار الاستبدادي لنظام صدام. ولا شك أن التنقل في هذا الموقف الفوضوي ليس مهمة سهلة لأي قوة أجنبية.

ففي السنوات التي أعقبت غزو عام 2003 استشهد بعض السياسيين الأمريكيين بقياس «بوتري بارن» لتبرير استمرار وجود طويل الأجل في العراق، حيث كان الغزو هو الذي حطم المجتمع العراقي، لذا، وكما ذهب القياس، بعد أن كسرت البلاد، أصبحت الولايات المتحدة بحاجة الآن لشرائه، وفي الواقع حطمت الولايات المتحدة العراق وابتعدت في النهاية، وإيران هي التي تولته.

كارثة التطهير

على مدى أكثر من عقد، وقبل أن يقرر جورج دبليو بوش الإطاحة بالحكومة العراقية، اتخذت إدارة والده طريقا مختلفا تماما، فبعد تدمير البنية التحتية المدنية والعسكرية في العراق بلا رحمة في حملة قصف خلال حرب الخليج عام 1991، أقنع جورج بوش بأنه سيكون من الخطير جدا الذهاب إلى بغداد، ليس بسبب التكاليف البشرية المحتملة، أو مقتل الجنود الأمريكيين في القتال، ولكن لأن صدام كان معروفا، أثبتت في الثمانينات عندما هاجم إيران وأثار الحرب الوحشية بين إيران والعراق، وخلال الصراع الذي استمر ثماني سنوات، سلحت الولايات المتحدة كلا البلدين لكنها فضلت بغداد بأغلبية ساحقة.

توفي أكثر من مليون شخص في حرب الخنادق التي تذكرنا بالحرب العالمية الأولى. وضع هنري كيسنجر نقطة جيدة على الاستراتيجية الأمريكية في تلك الحرب عندما قال مازحا إنه «من العار أن يكون هناك خاسر واحد».

حتى بعد انتهاء الحرب فاق الخوف الأمريكي من إيران أي شهية لتغيير النظام في العراق، فبقي صدام.

كذبة بريمر

اتخذ ابن بوش وجهة نظر مختلفة، ففي أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، بدأت شخصيات رفيعة المستوى في إدارته تربط كذبة نظام صدام بالقاعدة. في الواقع كان المتطرفون الدينيون أعداء للبعثيين، لكن عملية إزاحة صدام قد حددها بالفعل المحافظون الجدد الذين كانوا عازمين على شن حرب ضد العراق قبل سنوات من 11 سبتمبر.

في غضون أسابيع من الغزو 2003 كان صدام خارج السلطة، حيث تم وضع أيديولوجي يميني في عهد كيسنجر لمسؤولية العراق لفترة من الغزو، وهو «بول بريمر»، والذي ـ على الرغم من كونه دبلوماسيا قديما ـ إلا أنه لم يخدم مطلقا في الشرق الأوسط، وليس لديه خبرة في السياسة العراقية، لكنه أصبح مهووسا بفكرة أن حزب البعث كان مشابها للحزب النازي الألماني، وكان بحاجة إلى القضاء عليه بالكامل. وتحت قيادته في سلطة التحالف الموقتة نفذت الولايات المتحدة واحدة من أكثر السياسات كارثية في التاريخ الحديث لعملية صنع القرار بعد الحرب، ألا وهي تصفية الجيش العراقي كجزء من سياسة تعرف باسم اجتثاث البعث.

450 ألف عدو

في كتابه عن حرب العراق «اقترب الليل»، كتب الصحفي الحائز على جائزة بوليتزر أنتوني شديد «كان التأثير الصافي لقرار بريمر هو إرسال أكثر من 350 ألف ضابط ومجند في الشوارع، وخلق على الفور خزانا من المجندين المحتملين لحرب العصابات، حيث كان تحت تصرفهم حوالي مليون طن من الأسلحة والذخائر من جميع الأنواع، يمكن الوصول إليها بحرية في أكثر من مئة مستودع غير خاضع للحراسة إلى حد كبير في جميع أنحاء البلاد. وذكر مسؤول أمريكي لمجلة نيويورك تايمز، ولم يكشف عن هويته في ذلك الوقت «كان هذا الأسبوع الذي صنعنا فيه 450 ألف عدو على الأرض في العراق».

عبث إيراني

يمكن تمييز تأثير قرار بريمر في وثائق المخابرات الإيرانية السرية المكتوبة بعد أكثر من عقد من الزمان، حيث وصف عدد من المتمردين السنة الذين خاضوا الحرب ضد حكومة نوري المالكي في عام 2013 في الوثائق على أنهم «بعثيون»، في إشارة إلى الجماعات المسلحة التي يقودها ضباط الجيش العراقي السابق.

حددت هذه الجماعات نفسها بالحنين إلى النظام السياسي لما قبل عام 2003. وتبين الوثائق أن الإيرانيين عملوا إما على تدميرهم أو الاشتراك في القتال ضد داعش.

صعود السياسة الطائفية

تزامن اجتثاث البعث مع تطور بشع آخر في العراق، وهو صعود السياسة الطائفية، حيث لعبت الولايات المتحدة دورا حاسما في هذه الظاهرة أيضا. فعلى سبيل المثال قامت سلطات الاحتلال الأمريكي بعد الغزو بشن هجوم على رجل دين شيعي يدعى مقتدى الصدر، الذي اغتيل والده وإخوانه على يد أتباع صدام. كان قوميا عراقيا يتحدث لغة الشعب، رغم أنه كان في كثير من الأحيان على خلاف مع زعماء رجال الدين الشيعة الآخرين. وتشير التقارير الاستخباراتية الإيرانية التي صدرت عام 2014 إلى أفراد مؤيدين لإيران في العراق يعبرون عن إحباطهم المستمر تجاه الصدر لرفضه الموافقة على برنامجهم، ولا يزال شوكة في جانب الحكومة العراقية الحالية والمصالح الإيرانية بشكل عام، على الرغم من أنه عاش ودرس في إيران لسنوات عدة.

شعبية الصدر

بعد الغزو الأمريكي ارتفعت شعبية الصدر بعد أن نظم الخدمات الاجتماعية والبنية التحتية لمعالجة الظروف المأساوية التي يواجهها العراقيون، خاصة في الأحياء الفقيرة الشيعية التي قمعها صدام بوحشية،. وعندما هاجمت الولايات المتحدة مدينة الفلوجة السنية لأول مرة في أبريل 2004، في أعقاب مقتل أربعة من المرتزقة، نظم الصدر تبرعات بالدم وقوافل مساعدات وأدان العدوان الأمريكي. للحظة وجيزة كانت الولايات المتحدة توحد القوى الشيعية والسنية في حرب ضد عدو مشترك.

تطهير عنيف

كان ذلك الوضع لا يمكن الدفاع عنه، وبحلول عام 2005 أصبحت الولايات المتحدة مستثمرة بالكامل في السياسات التي فاقمت بشكل كبير الطائفية في العراق، وبدأت تسليح فرق الموت الشيعية وتدريبها وتمويلها، والتي أرهبت المجتمعات السنية في حرب غيرت التركيبة السكانية في بغداد.

ومع ازدياد حدة موقف السنة، بدأت الجماعات المتطرفة في الظهور بشكل متزايد وأصبحت أكثر تطرفا، بما في ذلك تنظيم القاعدة في العراق.

وكما تظهر تقارير المخابرات المسربة فإن إراقة الدماء الطائفية التي بدأت مع الغزو الأمريكي لم تنته حقا، ففي أواخر عام 2014 كانت وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية توثق عمليات التطهير العنيفة للسنة من المناطق المحيطة ببغداد على أيدي الميليشيات العراقية المرتبطة بالحرس الثوري الإسلامي الإيراني.

الغضب العراقي

عندما أجرت إدارة أوباما «انسحابا» من العراق في 2011، كانت مساحات شاسعة من البلاد لا تزال في حالة انهيار سياسي وإنساني. الدولة العراقية التي كانت موجودة قبل الحرب قد دمرت بالكامل. للأفضل وللأسوأ، سعت إيران لملء الفراغ الهائل في العراق الذي خلقته سياسات واشنطن. ومن بين أنقاض البلاد رأى القادة الإيرانيون فرصة لإنشاء نظام جديد. نظام لن يهددهم مرة أخرى كما كان نظام صدام حسين.

رفض الصفقة الكبرى

تؤكد التسريبات ضرورة النظر إلى نهج إيران العدواني تجاه العراق في سياق التاريخ. في الواقع من الصعب تخيل أي ممثل عقلاني لدولة قومية لن يتبع مسارا مماثلا في ظل الظروف نفسها. وأدى الغزو إلى مخاوف في إيران من أن المحطة التالية للجيش الأمريكي ستكون طهران.

تصاعدت هذه المخاوف بعد أن رفضت إدارة بوش «الصفقة الكبرى» المقترحة من المرشد الأعلى الإيراني في 2003، والتي عرضت محادثات تهدف إلى حل الخلافات بين الجانبين. وبدلا من ذلك استمرت الولايات المتحدة في معاملة إيران كعدو، واتبعت طريقا للاحتلال في العراق ترك في أعقابها سلسلة من الإخفاقات ومئات الآلاف من القتلى العراقيين.

الكابوس الطويل

سعي إيران لتأكيد نفوذها في العراق أمر متوقع، ففي حين أن دور إيران لم يكن إيجابيا، فقد فقدت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة أي ادعاء بأنها وسيط شرعي فيما يتعلق بمستقبل أي من البلدين.

في عام 1963 عملت الولايات المتحدة على إطلاق كابوس طويل في العراق عندما ساعدت في الإطاحة بالحكومة الشعبية لعبدالكريم قاسم، والتي سعت إلى تأميم النفط العراقي وإنشاء برامج الرعاية الاجتماعية. ودعمت الولايات المتحدة صعود صدام واستمرت في دعم نظامه على مر السنين، كحصن في وجه إيران، حتى في ظل الفظائع البارزة، مثل قتل المدنيين الأكراد في مدينة حلبجة ومذابح الشيعة العراقيين بعد حرب الخليج.