أماني يماني - مكة المكرمة

مع دوامة الاضطرابات في بغداد تسلل زائر مألوف بهدوء إلى العاصمة العراقية. وبينما كانت المدينة تحت الحصار لأسابيع سار المتظاهرون في الشوارع مطالبين بوضع حد للفساد والدعوة إلى الإطاحة برئيس الوزراء عادل عبدالمهدي. نددوا بالتأثير الضخم لجارتهم إيران في السياسة العراقية، وحرقوا الأعلام الإيرانية وهاجموا قنصلية الملالي.

كان الزائر هناك تحت غطاء استعادة النظام، لكن وجوده سلط الضوء على أكبر مظالم للمتظاهرين. قائد قوة القدس الإيرانية اللواء قاسم سليماني هو نفسه من يمسك بالريموت كونترول ويحرك الأحداث. جاء لإقناع حليف في البرلمان العراقي بمساعدة رئيس الوزراء العراقي على الاستمرار في منصبه.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يرسل فيها سليماني إلى بغداد للقيام بتحريك الأوضاع من داخل غرفة العمليات عن كثب، بل تعد جهود طهران لدعم عبدالمهدي جزءا من حملتها الطويلة للحفاظ على العراق كدولة لطيفة تنفذ كلام الملالي بسلام.

سنوات الفوضى

كان صعود إيران كلاعب قوي في العراق من نواح كثيرة نتيجة مباشرة لافتقار واشنطن إلى أي خطة بعد الغزو.

كانت السنوات الأولى التي تلت سقوط صدام فوضوية، سواء من حيث الأمن أو نقص الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء. وبالنسبة لمعظم المراقبين بدا الأمر كما لو أن الولايات المتحدة كانت تحدد السياسة أثناء التنقل.

وفي الظلام كان من بين أكثر السياسات الأمريكية كارثية قرارات تفكيك القوات المسلحة العراقية، والتطهير من الخدمة الحكومية أو القوات المسلحة الجديدة لأي عراقي كان عضوا في حزب البعث الحاكم في عهد صدام. هذه العملية المعروفة باسم اجتثاث البعث قامت تلقائيا بتهميش معظم الرجال السنة، وجعلتهم عاطلين عن العمل ويشعرون بالاستياء، فشكلوا تمردا عنيفا يستهدف الأمريكيين والشيعة الذين يعتبرون حلفاء للولايات المتحدة.

ومع اندلاع الحرب الطائفية بين السنة والشيعة، نظر السكان الشيعة إلى إيران كحامية. وعندما سيطر داعش على الأراضي والمدن أدى ضعف الشيعة وفشل الولايات المتحدة في حمايتهم إلى تغذية الجهود التي بذلها الحرس الثوري والسليماني لتجنيد وتعبئة الميليشيات الشيعية الموالية لإيران.

انفصال جاسوس

في نوفمبر 2014 انفصل أحدهم، وهو عراقي كان قد تجسس لصالح وكالة الاستخبارات المركزية، وخشي من أن علاقاته بالأمريكيين ستكلفه حياته. ووفقا للوثائق عرفت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الرجل باسم مستعار «دوني براسكو»، وأصبح اسمه «المصدر 134992» بعد أن انتقل للجانب الإيراني. وما إن انتقل لحماية الإيرانيين حتى قال إن كل ما يعرفه عن جمع المعلومات الاستخباراتية الأمريكية في العراق للبيع:



  • مواقع البيوت الآمنة التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية.


  • أسماء الفنادق التي قابل فيها عملاء وكالة المخابرات المركزية.


  • تفاصيل أسلحته والتدريب على المراقبة.


  • أسماء العراقيين الآخرين الذين يعملون كجواسيس للأمريكيين.


كشف المستور

وأخبر المصدر 134992 العملاء الإيرانيين بأنه كان يعمل لدى الوكالة لمدة 18 شهرا ابتداء من عام 2008، في برنامج يستهدف القاعدة. وقال إنه حصل على أجر جيد مقابل عمله، 3000 دولار شهريا، بالإضافة إلى مكافأة مرة واحدة قدرها 20.000 دولار وسيارة. ولكن بعد أداء اليمين الدستورية وعد بأن أيام التجسس لديه لصالح الولايات المتحدة قد انتهت، ووافق على كتابة تقرير كامل للإيرانيين حول كل ما يعرفه مع وكالة الاستخبارات المركزية.

أخبر الرجل العراقي مسؤوله الإيراني بكل شيء. ووفقا لتقرير استخباري إيراني صدر عام 2014 قال «سأحيل إليكم جميع الوثائق ومقاطع الفيديو التي لدي من الدورة التدريبية، والصور وتحديد ملامح زملائي المتدربين ومرؤوسي».

المرشحون الأمريكيون

بحلول أواخر عام 2014 كانت الولايات المتحدة تقوم مرة أخرى بصب الأسلحة والجنود في العراق عندما بدأت تقاتل داعش، وكان لإيران أيضا مصلحة في هزيمة المتشددين، فعندما سيطر داعش على الغرب والشمال سافر شبان عراقيون عبر الصحاري والمستنقعات الجنوبية بحافلة، متجهين إلى إيران للتدريب العسكري.

اعتقد البعض داخل الحكومتين الأمريكية والإيرانية أنه يتعين على الخصمين تنسيق جهودهما ضد عدو مشترك، لكن إيران، كما توضح التقارير المسربة، نظرت أيضا إلى الوجود الأمريكي المتزايد باعتباره تهديدا و»غطاء» لجمع المعلومات الاستخباراتية عن إيران.وكتب أحد الضباط الإيرانيين «ما يحدث في السماء فوق العراق يظهر المستوى الهائل لنشاط التحالف. يجب أن يؤخذ على محمل الجد الخطر التي يهدد مصالح جمهورية إيران المتمثلة في نشاطها».

مدينة الأشباح

جرف الصخر، الذي يقع شرق الفلوجة مباشرة في وادي نهر الفرات، غني بأشجار البرتقال وبساتين النخيل، تم اجتياحه من قبل تنظيم داعش عام 2014، مما أعطى المقاتلين موطئ قدم يمكنهم من خلاله شن هجمات على مدينتي كربلاء والنجف المقدستين، وهو مهم لإيران لأنه يقع على طريق يستخدمه الحجاج الشيعة للسفر إلى كربلاء خلال محرم من كل عام.

عندما طردت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران المقاتلين من جرف الصخر في أواخر2014، وهو أول انتصار كبير على داعش، أصبحت المدينة مدينة أشباح. لم يعد الموقع يشكل تهديدا لآلاف الحجاج الشيعة الذين سيمرون به، لكن فوز إيران جاء بتكلفة عالية لسكان المدينة السنة، حيث شرد عشرات الآلاف.

ويصف أحد التقارير المسربة الأضرار بعبارات «نتيجة لهذه العمليات تم تطهير المنطقة المحيطة بجرف الصخر من عملاء إرهابيين. تم تهجير عائلاتهم. ودمرت القوات العسكرية معظم منازلهم وسيتم تدمير البقية. في بعض الأماكن تم اقتلاع بساتين النخيل لحرقها لمنع الإرهابيين من اللجوء إلى الأشجار».

الاحتجاجات فضحت نواياهم

مع إيمان مشترك وانتماءات قبلية تمتد عبر حدود يسهل اختراقها، لطالما كان لإيران وجود رئيسي في جنوب العراق.

وقد فتحت مكاتب دينية في المدن المقدسة في العراق، ونشرت لافتات للزعيم الإيراني آية الله روح الله الخميني في شوارعها. إنها تدعم بعضا من أقوى الأحزاب السياسية في الجنوب، وترسل الطلاب الإيرانيين للدراسة في الحلقات الدراسية العراقية، وترسل عمال البناء الإيرانيين لبناء الفنادق العراقية وتجديد الأضرحة العراقية.

لكن على الرغم من أن إيران ربما تكون قد هزمت الولايات المتحدة في المنافسة على النفوذ في بغداد، فقد كشفت الاحتجاجات نوايا إيران، وتأكد الجميع أنها خسرت التأييد الشعبي في الجنوب العراقي. وكما أوضحت الأسابيع الستة الأخيرة من الاحتجاجات فإنها تواجه تراجعا قويا بشكل غير متوقع. في جميع أنحاء الجنوب تشهد الأحزاب السياسية العراقية المدعومة من إيران إحراق مقراتها الرئيسة واغتيال قيادييها. وهذا مؤشر على أن إيران ربما قللت من شأن رغبة العراق في الاستقلال، ليس فقط من الولايات المتحدة، ولكن أيضا منها هي أيضا.

الجواسيس الإيرانيون

بحسب الوثائق، يقول المسؤولون العراقيون إن الجواسيس الإيرانيين موجودون في كل مكان في الجنوب، حيث كانت المنطقة منذ فترة طويلة خلية نحل للتجسس. ففي كربلاء في أواخر عام 2014 ، التقى ضابط مخابرات عسكري عراقي من بغداد بمسؤول مخابرات إيراني وعرض التجسس لصالح إيران، من أجل إخبار الإيرانيين بكل ما يعرفه بشأن الأنشطة الأمريكية في العراق.

وقال المسؤول العراقي للضابط الإيراني، بحسب إحدى البرقيات «إيران هي بلدي الثاني وأحبها»، وفي اجتماع استمر أكثر من ثلاث ساعات أخبر العراقي عن تفانيه في خدمة نظام الحكم الإيراني، حيث يحكم رجال الدين مباشرة، وإعجابه بالأفلام الإيرانية.

وثائق مسربة

تقدم الوثائق الإيرانية التي تم تسريبها ونشرها موقع «ذا إنترسبت» الأمريكي الشهير صورة مفصلة عن توغل إيران في الشؤون العراقية، والدور الفريد لسليماني. والتي نشرت بالتزامن في صحيفة نيويورك تايمز التي حصلت على هذه الوثائق أيضا.

كشفت الوثائق عن الجواسيس الإيرانيين لاختيار قادة البلاد، ودفع رواتب الوكلاء العراقيين الذين يعملون من أجل الأمريكيين لتبديل مواقفهم، والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

جواسيس طهران

تصف الوثائق عملية التجسس وكأنها فيلم خيالي مثير، حيث تحدث الاجتماعات في الأزقة المظلمة ومراكز التسوق أو تحت غطاء رحلة صيد أو حفلة عيد ميلاد، والمخبرون يتربصون في مطار بغداد ويلتقطون صورا للجنود الأمريكيين ويضعون علامات التبويب على الرحلات الجوية العسكرية للتحالف، ويقودون العملاء للطرق المتعرجة إلى الاجتماعات للتهرب من المراقبة. وأكدت الوثائق على أن بعض المصادر تلقت هدايا من الفستق والكولونيا والزعفران، وكذلك تقديم رشاوى للمسؤولين العراقيين، إذا لزم الأمر. ويحتوي الأرشيف على تقارير مصاريف من ضباط وزارة الاستخبارات في العراق، بما في ذلك تقرير بلغ إجماليه 87.5 ألف يورو، حيث تم إنفاق المبلغ في هدايا لقائد كردي.

3 تحت التغطية

في الدول الثلاث التي تقبع تحت التغطية الإيرانية، العراق ولبنان وسوريا، والتي تعتبرها إيران حاسمة بالنسبة لأمنها القومي، يحدد الحرس الثوري - وخاصة قوة القدس النخبوية بقيادة سليماني - سياسات إيران، ويتم تعيين سفراء هذه الدول من الرتب العليا للحرس، وليس وزارة الخارجية، التي تشرف على وزارة الاستخبارات، وفقا لعدد من المستشارين للإدارات الإيرانية الحالية والسابقة.

وقالت هذه المصادر إن الضباط من وزارة الاستخبارات والحرس الثوري في العراق عملوا بالتوازي بعضهم مع بعض، وقد أبلغوا النتائج التي توصلوا إليها إلى مقرهم في طهران، والذي قام بدوره بتنظيمها في تقارير للمجلس الأعلى للأمن القومي.

عبدالمهدي وطهران

وفقا لإحدى البرقيات الاستخباراتية المسربة، فإن رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي الذي كان يعمل في المنفى عن كثب مع إيران أثناء وجود صدام حسين في السلطة، كانت له «علاقة خاصة مع طهران عندما كان وزير النفط عام 2014. نوع العلاقة ليس مفصلا في الوثائق. وكما حذر أحد كبار المسؤولين الأمريكيين السابقين فإن «العلاقة الخاصة يمكن أن تعني الكثير من الأشياء. هذا لا يعني أنه وكيل لشركة الحكومة الإيرانية، ولكن لا يمكن لأي سياسي عراقي أن يصبح رئيسا للوزراء دون مباركة إيران». وكان عبدالمهدي، عندما حصل على رئاسة الوزراء في 2018، ينظر إليه كمرشح توفيقي مقبول لدى كل من إيران والولايات المتحدة.

رفض إيراني

تواصل موقع «ذا إنترسبت» مع ثلاثة مسؤولين إيرانيين بشأن التقارير المسربة. وقال المتحدث باسم بعثة الأمم المتحدة الإيرانية، علي رضا ميروسفي، إنه بعيد عن البلاد حتى وقت لاحق من هذا الشهر. ولم يرد سفير إيران لدى الأمم المتحدة ماجد طخت رافانشي، على طلب مكتوب تم تسليمه باليد إلى مقر إقامته الرسمي. ولم يرد وزير الخارجية محمد جواد ظريف على طلب عبر البريد الالكتروني. ورفض حسن دانييفار، سفير إيران في العراق من 2010 إلى 2017 ، ونائب قائد القوات البحرية للحرس الثوري سابقا، التحدث عن التقارير المسربة، لكنه أشار إلى أن إيران لديها اليد العليا في جمع المعلومات في العراق، حيث قال «نعم. لدينا الكثير من المعلومات من العراق حول قضايا متعددة ، خاصة حول ما كانت تفعله أمريكا هناك».

التسريب والتصرف

في جميع أنحاء العالم يتعين على الحكومات مواجهة تسرب البيانات السرية أو رسائل البريد الالكتروني الشخصية كحقيقة من حقائق الحياة العصرية. ليس الأمر كذلك في إيران، حيث تخضع المعلومات لرقابة مشددة وتخشى أجهزة الأمن على نطاق واسع.

أرسل ما يقرب من 700 صفحة من التقارير بشكل مجهول إلى موقع «ذا إنترسبت»، الذي ترجمها من الفارسية إلى الإنجليزية وتمت مشاركتها مع التايمز، وتحقق كلا الموقعين من الوثائق، ولكن لم يعرفا من سربها، حيث إن التواصل عبر القنوات المشفرة مع المصدر، والذي رفض مقابلة أحد المراسلين. وفي هذه الرسائل المجهولة قال المصدر إنهم يريدون «إعلام العالم بما تفعله إيران في بلدي العراق».

الاستفادة من الفرص

وفقا لوثائق وزارة الاستخبارات واصلت إيران الاستفادة من الفرص التي منحتها الولايات المتحدة لها في العراق.

جنت إيران، على سبيل المثال، مجموعة كبيرة من المعلومات الاستخباراتية عن الأسرار الأمريكية، حيث بدأ الوجود الأمريكي في التراجع بعد انسحاب القوات الأمريكية عام 2011.

كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قد طردت عددا من عملائها السريين في الشوارع منذ فترة طويلة، وتركتهم عاطلين عن العمل ومعوزين في بلد ما زال محطما من الغزو، ويخشون أن يقتلوا بسبب صلاتهم بالولايات المتحدة، وربما من قبل إيران. وبسبب نقص الأموال بدأ الكثيرون في تقديم خدماتهم إلى طهران، وكانوا سعداء بإخبار الإيرانيين بكل ما يعرفونه عن عمليات وكالة المخابرات المركزية في العراق.

دور الاستخبارات الإيرانية

يبدو دور إيران في الوثائق جليا، ويظهر صبر الإيرانيين في مهامهم الرئيسة، وهي منع العراق من الانهيار، ومنع تكاثر المسلحين السنة على الحدود الإيرانية، ومن النزول إلى الحرب الطائفية التي قد تجعل المسلمين الشيعة أهدافا للعنف، ومن الخروج عن كردستان المستقلة التي تهدد الاستقرار الإقليمي والسلامة الإقليمية الإيرانية.

وظهر أن الحرس الثوري والسليماني يركز على الحفاظ على العراق كدولة تابعة لإيران، والتأكد من بقاء الفصائل السياسية الموالية لطهران في السلطة.

زيادة العزلة

عملية جرف الصخر وغيرها من الأعمال الدموية التي قادها وكلاء إيران بتوجيه من طهران زادت من عزلة السكان السنة في العراق وفقا لأحد التقارير الذي يشير إلى تدمير القرى والمنازل ونهب ممتلكات السنة والماشية.

حولت حلاوة هذه النجاحات ضد داعش إلى مرارة. ويلقي أحد وثائق جرف الصخر تأثير الميليشيات الشيعية بعبارات صارمة بشكل خاص، ففي جميع المناطق التي دخلت فيها قوات الحشد الشعبي فر السنة وهجروا منازلهم وممتلكاتهم، وفضلوا العيش في الخيام كلاجئين أو الإقامة في المخيمات.

صفقات ورشاوى

في كثير من الأحيان تستخدم إيران نفوذها لإغلاق صفقات التنمية المربحة، مع اعتماد العراق على إيران للحصول على الدعم العسكري في الحرب ضد داعش. وتظهر إحدى الوثائق المسربة أن قوة القدس تتلقى عقود النفط والتنمية من أكراد العراق مقابل الأسلحة وغيرها من المساعدات. وفي الجنوب منحت إيران عقودا لمياه المجاري وتنقية المياه بدفع رشوة قيمتها 16 مليون دولار لأحد أعضاء البرلمان، وفقا لتقرير آخر.

واليوم تكافح إيران للحفاظ على هيمنتها في العراق، مثلما فعل الأمريكيون بعد غزو عام 2003، وفي الوقت نفسه يشعر المسؤولون العراقيون بقلق متزايد من أن يؤدي الاستفزاز في العراق من أي جانب إلى اندلاع حرب بين الدولتين المتنافستين من أجل الهيمنة في وطنهما.

وفي ظل هذه الخلفية الجيوسياسية تعلم العراقيون منذ زمن بعيد اتباع نهج براغماتي تجاه مبادرات جواسيس إيران، حتى العراقيين السنة الذين ينظرون إلى إيران كعدو.

رد فعل معاكس

هذه الأفعال جعلت بعضهم ينتقدون السياسة الإيرانية في العراق. وبحسب التقرير فإنها ستسمح للأمريكيين بالعودة إلى العراق بشرعية أكبر، فالمجموعات والأفراد الذين كانوا يقاتلون ضد الأمريكيين بين السنة يتمنون الآن ألا تدخل أمريكا وحدها، بل وحتى إسرائيل وتنقذ العراق من براثن إيران.

في بعض الأحيان سعى الإيرانيون إلى مواجهة الإرادة السيئة الناتجة عن وجودهم في العراق بحملات القوة اللينة الشبيهة بجهود ساحة المعركة الأمريكية لكسب «القلوب والعقول»، على أمل الحصول على ميزة دعاية واستعادة صورة إيران بين الناس. ووضعت طهران خطة لإرسال أطباء الأطفال وأطباء النساء إلى القرى في شمال العراق لإدارة الخدمات الصحية.

علاقات خاصة جدا

كانت زراعة المسؤولين العراقيين جزءا أساسيا من عملهم، وسهلت التحالفات التي أقامها عدد من القادة العراقيين مع إيران عندما كانوا ينتمون إلى جماعات معارضة تقاتل صدام، فعدد من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين في العراق أقاموا علاقات سرية مع طهران.

وصفت الوثائق علاقة عبدالمهدي بعدد من الأعضاء الرئيسيين الآخرين في حكومة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي بـ «الخاصة» والوثيقة مع إيران.

وأكد محلل سياسي ومستشار في شؤون العراق للحكومة الإيرانية، غيس غريشي، أن إيران ركزت على تعيين مسؤولين رفيعي المستوى في العراق. وقال «لدينا عدد كبير من الحلفاء بين القادة العراقيين الذين يمكن أن نثق فيهم وأعيننا مغلقة».

الأرشيف المسرب

يتكون الأرشيف من مئات التقارير التي كتبت بشكل رئيسي في عامي 2014 و 2015 من قبل ضباط وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، أو وزارة الداخلية، والذين كانوا يعملون في الميدان في العراق. وتتمتع وزارة الاستخبارات، وهي النسخة الإيرانية من وكالة الاستخبارات المركزية بسمعة، باعتبارها وكالة تحليلية ومهنية، لكن طغى عليها في كثير من الأحيان نظيرها الأيديولوجي، منظمة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري، والتي تم تأسيسها رسميا كهيئة مستقلة عام 2009 بأمر من المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي.

مجزرة السنة

منذ بداية حرب العراق في 2003 طرحت إيران نفسها كحامية للشيعة في العراق، استخدم سليماني، أكثر من أي شخص آخر للتجسس، لكن ذلك جاء على حساب الاستقرار، حيث حرم السنة بشكل دائم من حقوقهم والتطلع إلى مجموعات أخرى، مثل داعش، لحمايتهم.

كانت مجزرة السنة في المجتمع الزراعي في جرف الصخر عام 2014 مثالا حيا على أنواع الفظائع الطائفية التي ارتكبتها الجماعات المسلحة الموالية لقوة القدس الإيرانية، والتي أزعجت الولايات المتحدة الأمريكية طوال حرب العراق، وقوضت جهود المصالحة.

ما سر علاقة المالكي وإيران؟

كان صعود داعش في الوقت نفسه يقود إسفينا بين إدارة الرئيس الأمريكي السابق براك أوباما ومجموعة كبيرة من الطبقة السياسية العراقية. كان أوباما قد دفع باتجاه الإطاحة برئيس الوزراء نوري المالكي كشرط لتجديد الدعم العسكري الأمريكي، وأعرب عن اعتقاده أن سياسات المالكي الوحشية والحملات القمعية ضد السنة العراقيين قد ساعدت في صعود المتشددين.

كان المالكي، الذي عاش في المنفى في إيران في الثمانينات من القرن الماضي، مفضلا لدى إيران، وكان ينظر إلى بديله، حيدر العبادي الذي تلقى تعليمه في بريطانيا، على أنه أكثر ودية للغرب وأقل طائفية.

في مواجهة حالة عدم اليقين التي تكتنف رئيس الوزراء الجديد، دعا سفير إيران حسن دانييفار، في ذلك الوقت، إلى عقد اجتماع سري لكبار الموظفين في السفارة الإيرانية، وهو مبنى ضخم محصن خارج المنطقة الخضراء ببغداد.

وأصبح من الواضح أن الإيرانيين ليس لديهم سبب يدعو للقلق بشأن الحكومة العراقية الجديدة. تم رفض العبادي باعتباره «رجلا بريطانيا» و»مرشحا للأمريكيين»، لكن الإيرانيين اعتقدوا أن لديهم الكثير من الوزراء الآخرين في جيبهم.

وزراء العراق وطهران

أدرج دانييفار قائمة أعضاء الحكومة، واصفا علاقاتهم بإيران:

- إبراهيم الجعفري - الذي كان يشغل من قبل منصب رئيس الوزراء العراقي وبحلول أواخر عام 2014 كان وزيرا للخارجية - تم تحديده مثل عبدالمهدي، على أنه يتمتع «بعلاقة خاصة» مع إيران.

ولم ينف الجعفري أن لديه علاقات وثيقة مع إيران، لكنه قال إنه كان يتعامل دائما مع دول أجنبية بناء على مصالح العراق. واعتمدت إيران على ولاء عدد من أعضاء مجلس الوزراء الأقل.

- كان وزراء البلديات والاتصالات وحقوق الإنسان السابقون جميعهم أعضاء في منظمة بدر، وهي مجموعة سياسية وعسكرية أسستها إيران في الثمانينات لمعارضة صدام. أنكر وزير البلديات السابق وجود علاقة وثيقة مع إيران. واعترف وزير حقوق الإنسان السابق بقربه من إيران، وأشاد بإيران لمساعدة العراقيين الشيعة خلال دكتاتورية صدام ولمساعدتها في هزيمة داعش.

قال وزير الاتصالات السابق إنه خدم العراق، وليس إيران، وإنه حافظ على علاقات مع دبلوماسيين من عدد من البلدان. وقال وزير التعليم السابق إنه لم يحظ بدعم إيران، وإنه خدم بناء على طلب العبادي.

طلبات السليماني

جاء سليماني ليطالب بالتأييد، حيث إن إيران بحاجة إلى الوصول إلى المجال الجوي العراقي لنقل طائرات محملة بالأسلحة وغيرها من الإمدادات لدعم نظام بشار الأسد السوري في معركته ضد المتمردين الذين تدعمهم الولايات المتحدة.

كان ذلك هو الطلب الذي وضع أبقر جبر الذي شغل منصب وزير الداخلية واتهم بإنشائه لسجون سرية لدرجة أن سكان منطقة الأعظمية خرجوا بمظاهرات ضده مطالبين بإقالته أبان حكومة إبراهيم الجعفري في مركز التنافس الطويل بين الولايات المتحدة وإيران. كان مسؤولو إدارة أوباما يضغطون بقوة من أجل إقناع العراقيين بإيقاف الرحلات الجوية الإيرانية عبر مجالهم الجوي، لكن وزير النقل العراقي وجد أنه من المستحيل الرفض.

ووفقا للوثائق طلب سليماني السماح للطائرات الإيرانية باستخدام المجال الجوي العراقي للمرور إلى سوريا.