عندما يتتبع الإنسان أسئلة من أنا وما هي مساحات الأثر التي يمكنني التأثير فيها ومعرفة بدايات ونهايات الطرق التي يود أن يسلكها سيتعاظم لديه الإدراك يوما بعد آخر، لأنه توغل في أهم المعارك الشخصية التي لا يمكن أن يخرج منها الإنسان منتصرا، وهو ابتداء لديه ضبابية عن ماهية هذه الأسئلة الوجودية المركبة المرتبطة به التي من طبيعتها قد تستغرق إجاباتها حيزا زمنيا تراكميا، وارتباط هذه الأسئلة بحقيقة أنني لا أستطيع أن أكون كل شيء أو لا شيء يجعل من ميزان النظر ذات دقة يمكّنه من فك طلاسم هذه الرحلة الداخلية دون مبالغات الطموح أو شيفونية البيئة المحيطة أو التواضع المتطرف.

لذلك كان تطبيب هذه الظروف المتوارية خلف إجابة هذه الأسئلة يقع في مقام من الأهمية يقترب من وجودها وتشكلها وتطورها، لأنه حتى مع وجود الأجوبة الصحيحة سيصبح التلعثم في الوصول للنتائج التي يرجوها صاحب الأسئلة ليس ذا كدر ولن يحتويه يوما ما شيء من اغتيالات الطموح.

ورغم صحة احتواء الإنسان بعالم كبير من التأثير الذي ردده علي بن أبي طالب رضي الله عنه (وتحسب أنك جرم صغير.. وفيك انطوى العالم الأكبر) إلا أنها تقع على جناح والجناح الآخر ترسو عليه تلك المحدودية التي مهما تعاظمت طاقة في فرد من البشر، ويجبر الانكسارات في كل تلك الأوصاف المرتفعة أو المنخفضة الحاجة الدائمة لمصدر التوازن والسلام بالافتقار إلى الله خالق ذلك الإنسان المكسور في جميع حالاته (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله).

في الأغلب المعضلة التي تفرز كثيرا من الإشكاليات داخل النفس أكثر من خارجها هي تلك المعادلة غير الموزونة بين الطموح المتعالي والقناعة الخافتة، كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على وهج الطموح الذي يدفعه للإنجاز والعمل والقناعة بالحالة الراهنة؟ إذا تناغم هذا المفهوم مع السلوك فقد كان ذلك النضج الذي يفك عقدة هذه المعضلة التي عبر عنها الشافعي في وصف أحد معالم هذا الاتزان (ورزقك ليس ينقصه التأني.. وليس يزيد في الرزق العناء).

يحكى أن هناك شخصين يصيدان السمك، الأول صاد سمكة وأراد أن يذهب إلى بيته فحثه الآخر على البقاء ليصيد مزيدا من السمك حتى يبيعه ويزداد ثراء ومن ثم يسعد بذلك مع أهل بيته، فقال له الصياد الأول إنني الآن ذاهب إلى بيتي بهذه السمكة لأمارس هذه السعادة، وكأن هذه القصة الرمزية بغض النظر عن تقييم إحداثياتها تعبر عن ربط مفهوم الطموح والقناعة بتلك الأسئلة الوجودية التي أشرنا إليها في بداية المقال، والتي تعبر عن جوهر الحكمة الشخصية التي تخلف وراءها توازنات كثيرة جدا، وأحد تلك التوازنات هو التوازن بين الطموح المشروع والرضا والقناعة بالحال في اللحظة الراهنة.

دائما هناك شيء آخر سيتكون بداخلك تريد تحقيقه عندما يتحقق الشيء الذي كنت تريد تحقيقه سابقا، إدراك هذه المسألة سيقود الإنسان إلى توازن نفسي في تناول إحداثيات الطموح، وعمق أكبر في النظر يتجاوز مسألة تحقيق الأشياء أو العيش في فلكها.