لدي كثير من الأصدقاء الطائفيين، والطائفية هنا بمعناها الحسن الذي يشير إلى سكان الطائف الجميلة. والحقيقة أني أجد صعوبة في كتابة كلمة «الجميلة» وصفا للطائف، لأني أشعر بضيقة غريبة حين أمر بها ذاهبا أو راجعا، وهذا لا ينقص من قدرها بالطبع، ولكني أصف شعورا حقيقيا، وقد حاولت أن أناقش هذا الأمر مع الأصدقاء الطائفيين فوجدت أنهم يلمحون إلى أن «الحال من بعضه» فأهل الطائف أنفسهم قد ضاقوا بها ذرعا.

لا أعرف أسبابهم الخاصة، ولكن أمر من الطائف مرة كل سنة على الأقل، ويتولد لدي انطباع أنها عصية على التغيير وأن مشاريعها أيقونة للتعثر، تمر من شارع وتجده مليئا بالحفر والإصلاحات، وتأتي بعد عام ولا تجد أنه قد تغير فيه شيء، خذوا مثلا طريق وادي وج، مرت سنوات ولم يتغير فيه شيء رغم أن العمل لم يتوقف، مع أن المدة تكفي للانتهاء منه حتى لو كانت الشركة التي تنفذه تستخدم الملاعق في الحفر والدفن الأبديين.

ومع أن الطائف أيقونة سياحية لما حباها الله من أجواء وطبيعة خلابة، إلا أن الصورة الذهنية التي تولدت لدي هي الكلاب السائبة والقرود ـ وهذه مشكلة مشتركة مع كل المدن المشابهة في الطبيعة والأجواء ـ إضافة إلى أن حجز شقة أو فندق في الطائف يعني رحلة من العذاب، وبإمكانكم مراجعة تقييمات الزوار في مواقع حجز الفنادق لتعرفوا كيف يرى الناس فنادق الطائف ذات الخمس نجوم ـ القليلة جدا ـ ومن خلال هذا يمكن تصور وضع الفنادق والشقق الأقل نجوما.

جامعة الطائف قامت بعدها جامعات وانتهت من بناء مدنها ولا زالت هي تسكن بعض العمائر المتناثرة، مسجد العباس وهو المعلم الأبرز في الطائف أصبحت الصلاة فيه دليلا على الصبر والاحتمال والمشقة ـ وهذه ربما تكون خططا لزيادة أجر المصلين ـ وقد سمعت أن مشروع إعادة بنائه فكرة مطروحة منذ عقد ولم تر النور. ربما تاه المشروع قبل أن يصل إلى المسجد فطريقة تخطيط شوارع الطائف تشبه المشاركة في لعبة الحصن، يجب أن تمر من أماكن كثيرة لا ضرورة للمرور بها حتى تصل إلى وجهتك، هذا إن لم تمل في منتصف الطريق وتقرر التراجع عن وجهتك والذهاب إلى الحرم المكي للصلاة والاعتكاف تكفيرا عن كمية الشتائم التي أطلقتها أثناء تجولك في شوارع عروس المصايف.

ثم إن الحديث عن الطائف كوجهة وواجهة سياحية يعني الحديث أيضا عن الطائف كمدينة تاريخية فيها معالم وقصور وتراث يجب أن يكون الاهتمام به أولوية، لكن الحاصل أن هذه الآثار مهددة بالزوال والاندثار.

الطائف مدينة مهمة وكبيرة ومحورية، لكنها تعاني من مشكلة «الابن الأوسط» الذي لا ينال تقدير «البكر» ولا دلال آخر العنقود.

والطائف مظلومة حتى على مستوى الإعلام، فالطائف لا تحضر في الإعلام غالبا إلا في أخبار الجرائم والمضاربات الجماعية، أما مشاكلها الحقيقية فغائبة عن الإعلام بشكل لم أستطع فهمه.

تشعر أنها مدينة مؤجلة، مشاكلها وأحلامها ونموها وتقدمها ومشاريعها كلها مؤجلة، وتمضي عمرها كله وهي تشعر أنها قريبة لكنها لا تأتي أبدا.

وعلى أي حال..

كنت قد اقترحت على بعض الزملاء والأصدقاء الطائفيين أن يفكروا خارج الصندوق، وإذا كان الإعلام لا يتذكر الطائف إلا في الجرائم فلماذا لا يفكرون في مشروع تجاري يستغل هذه الميزة وينظم نشاطا ترفيهيا للمضاربات الجماعية يتم الدخول إليه بتذاكر. لكنهم رفضوا الفكرة، أعتقد أنهم لا يحبون نصف الكأس الممتلئ. ربما لأنهم قد شاهدوا نصفه الفارغ مكسورا في مضاربة ما.

agrni@