قرأت تحقيقا صحفيا لأحد المجتهدين المجددين وفقه الله يتحدث عن الموسيقى والأغاني والترفيه في صدر الإسلام، وإن كان جل ما تحدث عنه لا علاقة له بصدر الإسلام ولا ببطنه، لأنه أورد قصصا من العصرين الأموي والعباسي إلا أنه يشكر له أنه بذل جهدا في البحث والتنقيب، وهو شكر يشبه الدرجة التي تمنح على الخط والترتيب في حال كانت كل الإجابات خاطئة.

ومع أني أجد أن لدي موهبة الإفتاء في كل الأمور ـ الدينية والدنيوية ـ إلا أني لن أدخل في مسألة حل الموسيقى من حرمتها. لأني محب للموسيقى ـ كما تعلمون ـ ولأن هذا جدل لن ينتهي حتى تقوم الساعة أو يرتطم الكوكب الذي تحدثت عنه بالأمس بالأرض ويعيدها إلى صدر الإسلام أو قريبا منه.

الفكرة التي لفتت نظري في ذلك التحقيق الصحفي هي أن الجميع يريد أن يلبس كل أفعاله وقناعاته ثوب الإسلام، حتى لو اخترع من أجل ذلك القصص التي لا أصل لها أو لوى عنق النص ليوافق هواه وغاياته ومراده.

من الطبيعي أن يكون المأخذ على داعش والقاعدة والإخوان هو استخدام الدين كوسيلة، لكن الأمر يبدو طريفا وكأنه مشهد ساخر في فيلم عبثي أن يحاول العلمانيون والليبراليون بل حتى الحركة النسوية ـ أحط ما وصل إليه العقل البشري ـ إضفاء لمسة إسلامية على مشاريعهم وأفكارهم.

وعلى افتراض أن قصصا مثل التي أوردها المحقق الجهبذ وقعت بالفعل وأنها صحيحة، فهل يستدل بها على تحريم أو تحليل؟ بالطبع لا، أنتم تعلمون ذلك والمحقق يعلم والقارئ يعلم، لكن المغالطات المنطقية تبدو أسلوب حياة في هذا العصر.

الأمر الآخر الذي يبدو لافتا هذه الأيام هو أن المواقف لا علاقة لها بالمبدأ، بمعنى أنه يمكن أن أبرر كراهيتي لفئة ما وأقول إنها تفرض رأيها ولا تقبل الاختلاف مع الآخر، ثم لا أجد غضاضة في التشنيع على كل من يخالفني، وهذا يعني أني لست ضد احتكار الرأي كمبدأ ولكن لأنه سلاح في يد الطرف الآخر وليس في يدي.

أشتم الآخرين لأنهم يستخدمون الإسلام كوسيلة للوصول لغاياتهم، ثم لا أجد مشكلة في استخدام الإسلام نفسه كوسيلة للوصول إلى غاياتي. وهذا يعني أن كراهيتي لاستغلال الإسلام ليست كراهية مبدأ، ولكنها لأنه استغلال في الاتجاه الذي لا أحبه.

وعلى أي حال..

كن ما شئت وافعل ما تريد، لكن حاول ـ ما استطعت إلى ذلك سبيلا ـ ألا تصر على أنك أنت الإسلام، ولا أن الدين ثوب فصلته من لدى ترزي الأديان ليناسب مقاساتك.

الإسلام دين تسامح ودين مغفرة، والله رحيم ويغفر ذنوب عباده، لكن تصوير الذنوب، أو حتى المباحات على أنها من ثوابت الدين أمر مثير للشفقة، وللتذكر دائما أخي المنفتح حديثا حكمتي الخالدة التي سارت بها الركبان حتى تقرحت أقدمها «حين تسمح الحكومة بأكل البطيخ فإن هذا لا يعني أن أكل البطيخ دليل على أنك مواطن صالح، ولا يعني أن من يكره البطيخ خائن لدينه ووطنه»... الأمر سهل كما ترى!

agrni@