أجد صعوبة في تخيل كيف ستكون الحياة بعد ثلاثين أو أربعين سنة من الآن، أعلم أن العالم يتجه نحو الطريق المنحدرة بسرعة مبالغ فيها، لكني لا أتخيل ماذا يوجد في نهاية الطريق.

من جانب التقدم العلمي المادي في أوج ثورته، ولم تعد حركة الاختراع والاكتشاف والتطور تقاس بالسنوات، فنقارن بين الوضع في سنتين مختلفتين، أظنه الآن يقاس بالأيام إن لم يكن بالساعات، فاليوم يختلف عن أمس وغدا ستولد فكرة جديدة واختراع جديد.

وفي الجانب الآخر الإنسان يتخلى تدريجيا عن فكرة أنه إنسان، ويصبح أكثر قناعة وقبولا لدوره كزبون وسلعة في ذات الوقت. والأمر لا يحتاج لعقود لمعرفة أن الإنسان سيصبح مجرد «شيء»، هذا يحدث الآن وتتراجع قيم البشر العليا، وأصبح معيار التمايز بين الناس والأمم والمجتمعات هو الثمن المادي. والمسطرة التي يقاس بها النجاح والفشل في حياة إنسان هذا العصر هي مسطرة المادة، كم تجني؟ وكم ستدفع ثمنا؟ وكم ستقبض مقابلا؟

حتى وإن كنت تتفق معي وتكره هذا التحول في سلوك البشر، فإنك لو حاولت في هذه اللحظة التي تحنق فيها على المادية المتوحشة أن تستحضر الناجحين في الحياة الآن، ستجد أنك في الغالب ستنحاز إلى أولئك الذين جمعوا أكبر قدر من المال.

قبل أن أكتب هذا المقال ـ العظيم بالطبع ـ عن التوحش الرأسمالي كنت أنصح أحد أبنائي، وكانت نصائحي تتعلق بالمستقبل والعمل والوظيفة وأن الشهادة الجامعية هي الطريق الوحيد الذي سيجعل منه شيئا مذكورا، حدثته عن أولئك المساكين الفاشلين الذين لم يستطيعوا تكوين حياتهم بشكل صحيح لأنهم فشلوا في الحصول على عمل يدر الكثير من المال.

لو درس أحدهم كل علوم الأرض، وكان أطيب الخلق وأكثرهم محبة ورحمة للآخرين، فهو في معيار البشرية الجديد خلف الجاهل المتغطرس الذي استطاع أن يكون ثروة مادية.

«وماذا سأستفيد؟!» هذا السؤال أصبحت إجابته هي الدافع الوحيد للقيام بأي عمل أو تركه، لا بد من وجود فائدة مادية ملموسة.

بعد بضعة عقود ـ أو ربما أسرع مما أتوقع ـ ستكون كل العلاقات البشرية حتى داخل المنزل الواحد وبين أفراد الأسرة الواحدة مبنية على المنفعة المادية البحتة، لن يكون لأي قيمة أخرى أي وجود في العالم الجديد.

بهذه الوتيرة فإن الحاجات الروحية والقيم الأخلاقية ستتراجع ثم تتلاشى وتصبح في أفضل الأحوال مجرد قصص خيالية في الأفلام والروايات.

وعلى أي حال..

فإني أطمئنكم جميعا بأن الحلول موجودة فلا تيأسوا ولا تقنطوا، وكنت قد قلت سابقا بأن «النفخ في الصور» هو الحل النهائي والأمثل لمشاكل البشرية، ولكن قد يكون هنالك حلول أخرى قبل ذلك، كأن يصطدم جرم سماوي بالأرض أو أن تقوم حرب عالمية لا تبقي ولا تذر تعيد الناجين البشر بضع مئات من السنين إلى الخلف، لكي يبدؤوا من جديد في ممارسة إنسانيتهم لبضع مئات أخرى من السنين وهكذا حتى موعد الحل النهائي، بقية الحلول الأخرى تزيد المشكلة تعقيدا، وتزيد الإنسان إرباكا.

agrni@