أماني يماني _ مكة المكرمة

الخيانة والتفكير على المدى القصير كانا السبب في عدم تحقيق الولايات المتحدة الأمريكية جزءا من أهدافها في الحرب التركية على شمال وشرق سوريا، في حين عادت العملية بالنفع على دول أخرى، وفقا لرؤية يقدمها المحلل السياسي سميث فرانتسمان في مجلة فورين بوليسي الأمريكية.

يرى فرانتسمان أن تركيا في طريقها لتدمير حزب العمل الكردستاني واحتلال منطقة كبيرة في شمال سوريا ستنقل إليها اللاجئين السوريين الذين يؤرقونها داخليا، فيما حصل النظام الإيراني الإرهابي على المزيد من المكاسب، حيث ساعد الهجوم التركي على ترسيخ نظام بشار الأسد، وإنهاء أي أمل في إزاحته، ويتواصل النفوذ الإيراني في سوريا لتعزيز ودعم وكيلها الارهابي الرئيس حزب الله في لبنان.

وبينما عملت الاستراتيجية الأمريكية في سوريا على المدى القصير، لعبت روسيا على المدى الأبعد، واستثمرت الحدث الدموي لصالحها بشكل كبير.

ربيع 2016

يقول فرانتسمان إنه مر بسيارته على مدينة أورفة التركية، الواقعة في المناطق الريفية القريبة من الحدود مع سوريا، في فبراير 2016، حيث رأى من بعيد مئات من الأشكال البيضاء التي تشبه الطيور تلوح في الأفق، اتضح فيما بعد أنها مخيمات في مدينة سروج تضم لاجئين غالبيتهم من الأكراد الذين فروا من داعش في ربيع 2016.

طوال ربيع 2016، كانت تركيا لا تزال في خضم حرب صعبة مع حزب العمال الكردستاني، الذي شهد قتالا في جميع أنحاء شرق تركيا، حيث كانت البلاد في حالة تأهب قصوى بسبب تهديدات داعش، وتحاول استيعاب ملايين اللاجئين الفارين من سوريا.

وكانت أنقرة تشن غارات جوية على العراق ضد حزب العمال الكردستاني، وهي ترتبط بالهجمات التي شنتها في الأسابيع الأخيرة ضد الأكراد في سوريا بزعم أنهم يرتبطون بحزب العمال.

بداية النزاع

زرعت بذور النزاع في شرق سوريا، عندما شنت قوات الجيش التركية 180 ضربة جوية ومدفعية في أسبوع واحد، رغم أن هذا التدخل لم يكن ضروريا أو منطقيا لمهاجمة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات الأغلبية الكردية التي كانت شريكا حيويا للولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد داعش، إلا أن القرارات الرئيسية التي اتخذت تباعا في أنقرة وواشنطن وضعت كلا الجانبين في مسار تصادمي.

وبدلا من انخراط أعضاء الائتلاف الدولي المناهض لداعش بقوة أكبر، يتم التخلي عن كل ذلك لصالح القرارات قصيرة المدى على كل الجوانب، وتركت هذه الاستراتيجية القاصرة جيش الولايات المتحدة عاجزا، وضللت الأكراد، شركاء واشنطن على الأرض، ومكنت كلا من روسيا وإيران وتركيا من تحقيق مكاسب على حساب مصلحة الولايات المتحدة.

حرب داعش

ذكر فرانتسمان، أنه أمضى السنوات الخمس الأخيرة في تغطية الحرب ضد داعش، وشهد كيف حشرت كل الأطراف نفسها في الزاوية شرق سوريا، وقال إن تركيا كانت عازمة على تصفية الأكراد منذ ثلاث سنوات، ففي يونيو 2016، دحرت «قسد» مقاتلي داعش من مناطق عدة شمال شرق سوريا، وبالنسبة لها لم تكن قسد سوى نسخة أخرى من وحدات حماية الشعب الكردية التي تم ربطها بـحزب العمال الكردستاني، ورأت أن الزيادة في تواجد الحزب على طول حدودها يهدف إلى الارتباط بمنطقة عفرين الكردية في شمال شرق سوريا.

قوات قسد

أثار قلق أنقرة عبور قوات «قسد» نهر الفرات لتحرير مدينة منبج من أيدي داعش في يونيو 2016، لكن تركيا كانت غارقة في الفوضى الخاطفة التي أحدثها انقلاب 15 يوليو الفاشل، وتعهد الرئيس رجب طيب إردوغان بعد الانقلاب بوقف تقدم قوات «قسد».

وقال المسؤولون الأمريكيون لأنقرة إن قوات سوريا الديمقراطية ستنسحب من منبج وتعود أدراجها عبر الفرات، وعندما لم يحدث ذلك، شنت تركيا هجوما سمته «درع الفرات» على شمال سوريا؛ لدحر مقاتلي داعش بعيدا عن حدودها، ولمراقبة تقدم قوات سوريا الديمقراطية، وهددت بعدها بمحاربة حليف أمريكا هناك، قوات سوريا الديمقراطية.

ردة الفعل

بدأت عديد من المعارك في سوريا تصطدم ببعضها بعضا، وخلال الحرب الأهلية تم تجزئة النزاع، إذ دعمت الولايات المتحدة عددا كبيرا من الجماعات السورية المتمردة، وكانت تركيا تقوم بالدور نفسه من 2012 إلى 2017 في غرب سوريا، وعندما استولت داعش على الرقة وغزت العراق في 2014، وارتكبت إبادة جماعية ضد الأقلية اليزيدية، حينها أمر أوباما بغارات جوية ضد داعش في العراق وسوريا.

لم تلبث الولايات المتحدة أن نصحت العراقيين بقتال داعش، ثم عبرت قوات العمليات الخاصة الأمريكية إلى الشرق السوري للعمل مع قوات سوريا الديمقراطية، وحولت أولويتها من دعم الجماعات المتمردة إلى دعم قوات قسد، كان ذلك يعني التخلي عن إزاحة بشار الأسد عن السلطة، والتركيز على الهدف الأضيق وهو هزيمة داعش عن طريق تمكين الأكراد.

وكانت تركيا ـ التي لم تفعل سوى القليل ضد داعش ـ تشعر بالفزع، بينما راقبت روسيا وإيران الوضع، وفي الوقت نفسه، اتبعت واشنطن استراتيجية ثالثة في جنيف، حيث توقعت حلا دبلوماسيا ووضع حد لحكم الأسد.

دعم روسيا وإيران

حصل الأسد على دعم قوي من روسيا وإيران، بوصول فيلق الحرس الثوري الإيراني في بدايات الحرب، ومقاتلي حزب الله في 2012، وصعدت روسيا من تدخلها في سوريا بعد 2015، وقاتل كل من روسيا وإيران داعش في غرب سوريا، خاصة حول دير الزور وتدمر.

ومع تزايد الدعم، استطاعت قوات الأسد الواهنة أن تهزم الثوار ببطء، وأوقفت الولايات المتحدة، التي أصبحت تحت قيادة دونالد ترمب الآن، دعم الثوار في 2017 بعد عامين، واعتبر البرنامج فاشلا، كان هذا يلبي نظرة ترمب الشاملة إلى العالم، والتي كانت تهدف إلى خفض الإنفاق الأمريكي على الحروب الخارجية وجعل الدول الأخرى تدفع أكثر.

جدول يخالف الواقع

خلقت القوات التركية في شمال سوريا مظلة أمان حول ما تبقى من المتمردين في إدلب وجرابولوس، وفي نهاية المطاف قامت تركيا بتجميعهم في الجيش الوطني السوري، ولكن بذريعة أنهم سيساعدون تركيا في قتالها ضد حزب العمال الكردستاني، وبهذه الطريقة تم التخلي عن المتمردين من قبل الولايات المتحدة وتحولت في نهاية المطاف إلى وكيل تركي، وبعد فوات الأوان، من الواضح أن جدول أعمال تركيا كان يركز في المقام الأول على حزب العمال الكردستاني.

يتذكر وزير الدفاع الأمريكي السابق آش كارتر في عام 2017 أن «تركيا كانت أقل اهتماما بمحاربة داعش»، فيما كان الجيش الأمريكي مهتما بمحاربة التنظيم أكثر من معارضة الأسد، وأعطت روسيا وإيران الأولوية لدعم الأسد، ركزت تركيا على محاربة حزب العمال الكردستاني الكردي؛ كانت مسألة وقت فقط حتى دخلت سياسة أنقرة في سياسة واشنطن، الأسد يمكن أن يتنفس الصعداء، كانت القوتان الرئيسيتان اللتان تعارضاه قد حولتا تركيزهما بحلول عام 2017.

التحول المفاجئ

لم يناقش ترمب هذا التحول المفاجئ في سياسة أمريكا مع كبار المسؤولين أو حلفاء أمريكا، واستقال المبعوث الرئاسي ضد داعش بريت ماكجورك ووزير الدفاع جيمس ماتيس، وبات واضحا أن الأمور ليست على ما يرام في شرق سوريا، ومضت الولايات المتحدة في تخبطها في تقليل جهودها المتواضعة في إعادة الإعمار وركزت على هزيمة بقايا داعش.

عشرات الآلاف من المقاتلين وعائلاتهم حوصروا في الباغوز على نهر الفرات في مارس 2019، نقل المقاتلون الرجال إلى 12 وحدة اعتقال، بينما ذهبت النساء والأطفال وعددهم أكثر من 40 ألفا إلى مخيم الحول للاجئين قرب الحدود العراقية.

صعدت تركيا من لهجتها بمهاجمة سوريا مرة تلو الأخرى، واقترح مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون أن تبقى القوات الأمريكية في سوريا إلى حين انسحاب إيران، وحذر قادة الجيش من أن داعش على استعداد لأن ينهض من جديد وسيكون على أمريكا أن تدرب عشرات الآلاف من قوات سوريا الديمقراطية لضمان عدم عودة المتطرفين.

تركيا وروسيا

تقاربت تركيا من روسيا بعد استقرارها في الشمال السوري، ووافقت أنقرة على شراء نظام الدفاع الجوي إس – 400، معرضة دورها في برنامج المقاتلة الجوية الأمريكية إف – 35 للخطر. وجلست تركيا مع روسيا وإيران فيما بات يعرف بمحادثات الأستانة في عاصمة كازاخستان، بينما لم تشارك فيها الولايات المتحدة.

لم تحضر الحكومة الأمريكية التي كانت تنتقل من إدارة إلى أخرى. وبحلول أغسطس 2019 كانت 13 جولة من المحادثات تمت، وفي النهاية، سيؤدي عدم ارتباط الولايات المتحدة مع تركيا وروسيا وإيران إلى استبعاد شركاء الولايات المتحدة على أرض الواقع من مناقشات جنيف حول دستور سوري جديد.

بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية التي تكبدت 11 ألف إصابة في صفوفها أثناء حربها إلى جانب القوات الأمريكية لهزيمة تنظيم الدولة، كانت أخبار ابتعاد أمريكا مقلقة، وزاد من حدتها تهديد إردوغان بإعادة المنطقة لأصحابها الحقيقيين، وبعد أيام قليلة، عقب محادثات مع إردوغان، أعلن البيت الأبيض بأنه سيغادر سوريا، وأصبح ثلث سوريا الآن لقمة سائغة ومن المرجح أن يغرق في الفوضى.

ماذا يريدون من سوريا

  • تركيا: تدمير حزب العمل الكردستاني.
  • إيران: استخدامها لتزويد حزب الله.
  • روسيا: إبقاء الأسد وانتصار رؤيتها.
  • أمريكا: محاربة داعش.
داعش لم يقهر

يقول سميث فرانتسمان «سافرت إلى شمال العراق في أواسط سبتمبر وذهبت إلى منطقة ريفية بالقرب من مدينة مخمور- حوالي 45 دقيقة جنوب غرب أربيل عاصمة إقليم كردستان ـ في أعلى جبل يسمى كارا تشوخ الذي يبرز كسكين من بين المناطق الخالية حوله، نظرت عبر منظار قائد من قوات البشمرجة الكردية لمشاهدة أعضاء من داعش يجمعون الماء بجانب كهف في شمال العراق، كان المقاتلون في العراء في شمال العراق، لكن الحدود السورية كانت على بعد 120 ميلا فقط، تقطع في بضع ساعات بالسيارة، وكان القادة العسكريون الأمريكيون يقولون إن خلايا داعش تتحرك في مجموعات صغيرة ذهابا وإيابا عبر الحدود».

أهداف إيران

تريد إيران نفوذا في سوريا لتستخدمها لتزويد حزب الله، فيما تسعى تركيا لتدمير حزب العمال الكردستاني وأي جماعة مرتبطة به وإعادة توطين اللاجئين في المناطق الكردية على طول الحدود. وهذا من شأنه أن يغير التوازن العرقي للمنطقة الحدودية عن طريق إخراج اللاجئين العرب السوريين من تركيا مع تقليل تأثير المجتمعات الكردية التاريخية.

وفي شمال العراق، هناك أيضا قلق متزايد حول تعهدات أمريكا للدولة، فوسط الاحتجاجات الأخيرة التي قتل فيها أكثر من 100 شخص، يخشى إقليم كردستان من أن يتضرر الأكراد في سوريا.

يريد النظام السوري استعادة كامل أراضيه، وهذا يعني أن موسكو يجب أن توازن حليفها مع شريكها التجاري في أنقرة، لكن بالنسبة لإيران وتركيا وروسيا فالهدف إزاحة الولايات المتحدة هو الخطوة الأولى الأساسية، وبفضل ترمب يبدو أنها أنجزت معظمه، ثم يمكنها بعد ذلك أن تتشاجر حول تقسيم مناطق النفوذ في سوريا.