حاولت مراجعة ما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، فرأيت تنزيلا للنص المقدس على نوازل علمية تجعل مما رآه الزاعمون هو مقصود كلام الله، فقالوا في ذلك ما قالوا، وراج سوق حديثهم وإقناع طرحهم، زاعمين أن من تبعات ما يشتغلون به دعوة للإسلام جذبت الناس فدخلوا في دين الله أفواجا، ولا يمكن أن يغيب عن ذاكرتي وأنا في سن الخامسة عشرة؛ يُذهب بنا إلى محاضرة (الزنداني) أتذكر منها حديثه عن قوله تعالى «مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان» ثم ذُهب بنا وأنا ابن ثماني عشرة سنة لمحاضرة للدكتور (زغلول) أتذكر منها حديثه عن قوله تعالى «ومن الجبال جدد بيض وحمر».

وكنا نتعرض قبل تلك المحاضرات لتهيئة نفسية تسمح بقبول القول لا من جانب علمي، بل إنه إعجاز، حيث قيل لنا إن القرآن سبق لأمر اكتُشف حديثا، ونتعرض لعامل من تثبيت ذلك التوجه بعد المحاضرات بأن يستمر لدينا الانبهار مما لم نكن نعلم، مكبرين ومسبحين، وكنت أقول بأنه وفق ما خُيّل إلينا: إن الإعجاز هو ترك الناس يبحثون حتى إذا وجدوا عادوا ليعرفوا بأن ما وصلوا إليه في كلام الله موجود.

وفي هذه النظرة البسيطة تراوح كلام المتقدمين والمتأخرين في مجال إثبات إعجاز علمي في القرآن، بهذه الطريقة التي أول ما بُدئ بها حين قالوا عن قوله «ويخلق ما لا تعلمون» بعد ذكر وسائل الركوب من الخيل والبغال والحمير، بأنها دالة على ما نحن فيها من سيارات وطيارات ووسائل أخرى، ولم يتورع أحد ممن انتصر لهذا المبدأ من تعجيز كلامه بالقرآن وجعل كلام الله ـ وحاشاه ـ خاضعا لما يزعمه من نظريات، مع أن ربي قال «لظلت أعناقهم لها خاضعين»، واقتفى أهل العلوم التي أتت بقالب جديد من إدارة الذات والبرمجة العصبية ونحوها الأثر، فأسقط كل قاص ودان كلامه على النص قرآنا وسنة، زاعما بأنه دال عليه، وربما ذهب بعض منهم إلى أنه عين المقصود، وتلقفناه بالرضا لمخاطبته العواطف الإيمانية الفطرية.

واليوم أجدني أقول: الله تعالى قال عن كتابه بأنه كلامه، وكلام الله صفة من صفاته، وصفات الخالق قاعدتها «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» ثم إيمان مثل إيمان حكيم قال: كل ما خطر في بالك فهو مخالف لذلك، فإذا استقر هذا في الذهن فالله يقول عن كلامه بأنه قرآن «ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتي بل لله الأمر جميعا»، ومن يفهم ذلك يعرف أن ادعاء الإحاطة بمقصود الله مخالف لما اقتضاه حكمه الكوني حين قال «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا»، وليس معنى هذا التحليل نفي ما توصل إليه العلم، أو أن في القرآن إشارات على ما يصل له الإنسان من اكتشافات لأنه مداد التأثير في الكون بما نصت عليه الآية السابقة، لكن الحرج الذي وقع فيه أهل ترويج الإعجاز العلمي هذا وبهذه الطريقة المشوهة هو أن مثل قولهم هو إعجاز للقرآن، فهم راحوا يحاولون إثبات الإيمان بغير ما يليق بكلام الله تعالى، فحاشا لله تعالى أن يكون إعجازه في كلامه الذي هو صفته للبشر الذين هم من خلقه، وللكون الذي هو من صنعه، بصفات للجنين ومراحل له أو بطبقات الجو العليا أو بحياة في حيوان معين دلت آيات على ما قال الله فيه وهو الحق، وهو الذي أعجز البشر أن يأتوا بمثله أو مثل بعضه.

والحق أن يقال

عن ذلك بأنه عين الحق لأن الله قاله وعقولنا وإمكاناتنا هي التي قصرت عن فهمه، لأن الحق قال «بلسان عربي مبين»، والإبانة تقتضي فهم السامع والمتلقي واستيعابه في أصل الخطاب، ومن يقول بهذا الكلام في الإعجاز وبأنه اكتشف للقرآن فرادى إعجازيات لزمه أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم ذلك، ومعاذ الله أن يخاطب نبيه بما لم يفهمه، أو أن لا يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه عن أمر ورد في كتابه، أو أن يكتم علما أوتيه بنص الكتاب، وبعيد أن لا يفهم الصحابة كلهم المقصود ولم يستفصل أو يستفهم منهم أحد.

ثم من ادعى بأن نظريته العلمية التجريبية التي اكتشفها وعزاها للقرآن هي معنى النص القرآني فقد وضع نفسه في اختبار السنين والأيام حين يظهر غير ما قال أو عكسه، وحينها يكون قد قال في كتاب الله ما لا يعلم، وأما المكتشفون على غير ديننا وقيل لنا بأنهم آمنوا بسبب أن القرآن وافق ما توصلت له عقولهم في العلوم، فذلك موضوع تلبيس وتدليس ولو كان القصد طيبا وحسنا، فقد وضعوا أنفسهم وكلام رب العالمين على طرفي استواء فوافقهم فآمنوا، وهذا من أكثر الهراء بغير دليل.

وفي اعتقادي بأن كل الهيئات واللجان التي عقدت وسميت بهذا الاسم «الإعجاز العلمي في القرآن» يجب أن تعتذر لعقول العرب والمسلمين بالذات، فالقرآن وكلام ربنا أكبر من ذلك، أو تدافع عن نفسها بحجة لا نعلمها فنذعن ونسلم.

albabamohamad@